229ـ طريق المحبة

229ـ طريق المحبة

كلمة شهر ربيع الأول 1447

229ـ طريق المحبة

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: فِي إِطْلَالَةِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَنْوَرِ، شَهْرِ مَوْلِدِ سَيِّدِ الكَائِنَاتِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَقُولُ: لِنُتَرْجِمْ حُبَّنا لِسَيِّدِنا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَرْجَمَةً عَمَلِيَّةً، وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ مَنْ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُخَاطِبَنا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

وَإِنَّهُ لَمِنَ العَجِيبِ أَنْ تَرَى الوَاحِدَ مِنَّا يَعْتَنِي الاعْتِنَاءَ الشَّدِيدَ بِالوَصْفَاتِ الطِّبِّيَّةِ الَّتِي تُعَالِجُ البَدَنَ، مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَنْفَعُ، وَقَدْ لَا تَنْفَعُ، وَقَدْ تُدْرَكُ الحِكْمَةُ مِنْ تِلْكَ الوَصْفَاتِ، وَقَدْ لَا تُدْرَكُ.

نَعَمْ، نَعْتَنِي بِتِلْكَ الوَصْفَاتِ، وَلَا نَعْتَنِي بِمَا وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى لَنا، وَمَا وَصَفَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، مِنْ أَدْوِيَةٍ مَضْمُونَةٍ لِأَمْرَاضِنا القَلْبِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ شَتَّانَ مَا بَيْنَ مَرَضِ الجِسْمِ وَمَرَضِ القَلْبِ، حَيْثُ مَرَضُ القَلْبِ يُوصِلُ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

طَرِيقُ المَحَبَّةِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: شَهْرُ رَبِيعٍ الأَنْوَرِ شَهْرُ تَقْوِيَةٍ لِلْإِيمَانِ، وَشَهْرُ تَرْجَمَةٍ عَمَلِيَّةٍ لِأَقْوَالِنَا، حَيْثُ إِنَّ الكُلَّ يَدَّعِي مَحَبَّةَ اللهِ تَعَالَى، وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَلْنَنْظُرْ مَا نَقُولُ؛ فَلِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةٌ، فَمَا حَقِيقَةُ مَحَبَّتِنَا لِسَيِّدِنا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ مَا فِي نُفُوسِ عِبَادِهِ مِنْ دَعَاوى وَخَيَالَاتٍ وَأَمَانِيَّ، لِذَا أَنْزَلَ عَلَى سَيِّدِنا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنَ العِلْمِ مَا يُصَدِّقُ هَذِهِ الدَّعَاوَى، أَوْ مَا يُبْطِلُهَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

فَمُوَافَقَةُ المَحْبُوبِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ المَحَبَّةِ، لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ حَبِيبًا لَا بُدَّ أَنْ يُحِبَّ مَا يُحِبُّهُ، وَيُبْغِضَ مَا يُبْغِضُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُدَّعٍ.

فَطَرِيقُ المَحَبَّةِ هُوَ مُتَابَعَةُ سَيِّدِنا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي الأَقْوَالِ، وَالأَفْعَالِ، وَالمُعَامَلَاتِ، وَالأَخْلَاقِ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْكِرَام، المَحَبَّةُ التَّامَّةُ وَالْكَامِلَةُ تَعْنِي مَيْلَ القَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى مَنْ يُحِبُّ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ».

وَبِهَذَا المَيْلِ يُطِيعُ مَحْبُوبَهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَكُلَّمَا كَانَ المَيْلُ أَقْوَى كَانَتِ الطَّاعَةُ أَتَمَّ، وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرَ، وَبِهَذَا يَجِدُ العَبْدُ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، رَوَى الإِمَامُ البُخَاريُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

عَلَّقَ وُجُودَ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ بِمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُبُّ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ المَوْجُودَاتِ العَاقِلَةِ وَغَيْرِ العَاقِلَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْكِرَام، طَرِيقُ المَحَبَّةِ هُوَ الِاتِّبَاعُ، وَلَا اتِّبَاعَ إِلَّا بِالمَعْرِفَةِ، وَكُلَّمَا زَادَتِ المَعْرِفَةُ زَادَ الِاتِّبَاعُ، وَكُلَّمَا زَادَ الاتِّبَاعُ، قَرُبَ المُتَّبِعُ مِنْ مَتْبُوعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا».

كَيْفَ تَكُونُ أَخْلَاقُنَا حَسَنَةً إِذَا لَمْ نَتَحَلَّ بِأَخْلَاقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَيْفَ نَتَحَلَّى بِأَخْلَاقِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ سِيرَتِهِ العَطِرَةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

اللَّهُمَّ زِدْنَا مَعْرِفَةً بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؛ وَنَعُوذُ بِكَ يَا رَبَّنَا أَنْ نَنْدَرِجَ تَحْتَ قَوْلِكَ فِي كِتَابِكَ العَظِيم: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؟ آمِينَ آمِينَ آمِينَ.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الأحد: 1/ ربيع الأول /1447هـ، الموافق: 24/آب / 2025م

 2025-08-24
 1013
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

30-03-2026 61 مشاهدة
236ـ كان صلى الله عليه وسلم في محط العناية

يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَنَشْكُرَهُ أَنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا وَمَنَّ عَلَيْنَا ... المزيد

 30-03-2026
 
 61
02-03-2026 213 مشاهدة
235ـ تأثير الصوم على الجوارح

شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ شَهْرٌ لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامِهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلِ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو ... المزيد

 02-03-2026
 
 213
20-01-2026 641 مشاهدة
234ـ أخطر شيء في حياة الإنسان

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ، أَوْ مَعَ الغَافِلِينَ، أَوْ مِنْ مُجَالَسَةِ الغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَعَنْ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، لِأَنَّ الغَفْلَةَ ... المزيد

 20-01-2026
 
 641
25-12-2025 583 مشاهدة
233ـ إن اليتيم يتيم العلم والأدب

الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ، فَالْجَسَدُ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، وَالرُّوحُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، الْجَسَدُ التُّرَابِيُّ مُدْرَكٌ بِالْبَصَرِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَمُدْرَكَةٌ بِالْبَصِيرَةِ، وَالرُّوحُ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنَ الْجَسَدِ، ... المزيد

 25-12-2025
 
 583
24-11-2025 547 مشاهدة
232ـ توقير العلماء الربانيين من توقير الله تعالى

الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الرَّبَّانِيِّينَ ـ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى ـ هُوَ أَدَبٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمٌ لِشَعَائِرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ... المزيد

 24-11-2025
 
 547
15-11-2025 452 مشاهدة
231ـ إخوتي طلاب العلم

يَا مَنْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِطَلَبِ العِلْمِ: يَقُولُ سَيِّدُنَا الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: كَانَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ العِلْمَ فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يُرَى ذَلِكَ فِي تَخَشُّعِهِ وَهَدْيِهِ وَلِسَانِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ. ... المزيد

 15-11-2025
 
 452

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5720
المقالات 3260
المكتبة الصوتية 4884
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 432745427
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2026 
برمجة وتطوير :