13ـ عهود رمضانية: العهد الثالث عشر: الرحمة

13ـ عهود رمضانية: العهد الثالث عشر: الرحمة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

فمن دعاء سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني، رحمتك وسعت كل شيء، وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أنت خلقت أقواماً فأطاعوك فيما أمرتهم، وعملوا في الذي خلقتهم له، فرحمتك إياهم كانت قبل طاعتهم لك يا أرحم الراحمين. نسأل الله تعالى أن يشملنا بهذا الدعاء.

أيها الإخوة: العهد الماضي وقفنا معه في درسين ألا وهو الصفح عمن أساء إلينا، وأن نمتثل قول الله عز وجل: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، وهذا يحتاج إلى قوة إيمان بوعد الله عز وجل، وقوله عز وجل: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، هذا يحتاج إلى إيمان مع وجود الرحمة في قلبك نحو من أساء إليك، وطبعاً ربنا عز وجل إذا أمر بأمر، ونبينا صلى الله عليه وسلم إذا أمر بأمر فإن هذا الأمر لنعلم يقيناً أنه من أجل مصلحتنا، فخير الأوامر عائد للمأمور وليس للآمر.

روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)، ما قال: ارحموا المسلمين أو المؤمنين أو الإنس، بل قال: ارحموا أهل الأرض.

أيها الإخوة: عهدنا اليوم الذي نقطعه على أنفسنا هو الرحمة، أن نكون رحماء، لماذا أكون رحيماً؟ أنا القوي وغيري الضعيف، وأن الغني وغيري الفقير، وأنا صاحب نعمة وغيري حرم هذه النعمة، ينبغي عليّ أن أتجمَّل وأتخلق بخلق الرحمة. يا صاحب النعمة، ويا صاحب المال، ويا صاحب العلم، ويا صاحب الجاه، ويا صاحب السيادة والريادة، ويا صاحب النعم الظاهرة، كن رحيماً بمن حرمه الله عز وجل هذه النعمة.

يروي الإمام البخاري عن سيدنا جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس).

وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تؤمنوا حتى ترحموا)، وليس المقصود نفي الإيمان بأكمله، ولكن المعنى: لن تؤمنوا إيماناً كاملاً حتى ترحموا، فكلما عظم الإيمان تعظم الرحمة، وكلَّما قلَّ الإيمان قلت الرحمة. انظر يا أخي إلى نفسك، واجعل هذا مقياساً لك في حياتك الدنيا، وخاصة ونحن في شهر رمضان المبارك، انظر إلى رحمتك من الدائرة الضيقة ثم الأوسع ثم الأوسع، كلما عظم الإيمان عظمت الرحمة، وكلما ضعف ضعفت الرحمة عندك، حتى ربما أن يصل الإنسان إلى درجة لا يرحم فيها نفسه. لو قلت للإخوة الكرام الذين يدخنون، تفقد نفسك يا أخي، أنت الآن لا ترحم جسدك ولا ترحم هذا البنيان الذي أكرمك الله عز وجل به، والله عز وجل يقول: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ويقول سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}، والآن ثبت من الناحية العلمية أن الدخان قتل للنفس بطيء غير مباشر، يا أخي إذا كنت لا ترحم نفسك فأيّ رحمة يتوقعها أبناؤك؟ أيّ رحمة تتوقعها زوجتك؟ أيّ رحمة يتوقعها إخوتك وأخواتك؟ وهكذا تتسع الدائرة. فالإيمان أيها الإخوة كلما عظم عظمت الرحمة، ولذلك كان أرحم الخلق بالخلق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة العظمى بأبي هو وأمي. لذلك قال صلى الله عليه وسلم عن ذاته الشريفة: (إنما أنا رحمة مهداة) [رواه الحاكم والطبراني وابن أبي شيبة]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر) [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]، لأن إيمانه رضي الله عنه كان كاملاً.

انظر يا أخي لا تخدع نفسك، أتريد أن تعرف مقياس إيمانك؟ المقياس هو: (لن تؤمنوا حتى ترحموا)، فهل يا ترى عندك الرحمة؟ لذلك قال الصحابة رضي الله عنهم: كلنا رحيم يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس رحمة العامة)، أنت ترحم من تحبه، ومن أحسن إليك، ومن صنع معك معروفاً، ومن كان محسناً قريباً، ومن كانت لك معه مصلحة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ولكنها رحمة الناس رحمة العامة). لذلك قال ربنا عز وجل في حق حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} بعالم الإنس والجن والملائكة والحجر والشجر والمدر، فهل أنت حريص على رحمة الله بك؟ كن رحيماً بالناس جميعاً، وإذا كنت كذلك فمن باب أولى أن تكون رحيماً بمن هو خاص فيك من زوجة أو ولد.

أيها الإخوة: الذي يوزع تركته فيعطي الذكور ويحرم الإناث، هل هذا من الرحمة؟ بغض النظر عن أقوال الفقهاء في هذه القضية، هذا التقسيم ـ أن تعطي ولداً دون الآخر، أو تعطي الذكر دون الأنثى أو العكس ـ ليس من الرحمة، لهذا ينبغي أن تكون رحمتك دائرتها واسعة، أن تشمل الناس جميعاً، فهذا سيدنا عمر رضي الله عنه، وما أدراك من هو عمر؟ عملاق الإسلام، وربما يتصور البعض أنه لا يملك الرحمة بسبب شدته، وهذا وهم، لأن حزمه رضي الله عنه كان ممزوجاً بالرحمة:

فقسا ليزدجروا، ومن يك راحماً

 

فليقس أحياناً على من يرحم

مر سيدنا عمر رضي الله عنه على صومعة فيها رجل راهب يعبد الله عز وجل ضعف جسده وشحب لونه وتغيّر حاله، فبكى سيدنا عمر عليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنه رجل راهب كتابي، قال: أعلم أنه نصراني، قالوا: فلم تبكي، قال: تذكرت قول الله عز وجل: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَة * عَامِلَةٌ نَّاصِبَة * تَصْلَى نَارًا حَامِيَة}. انظر إلى رحمته بأهل الكتاب.

أيها الإخوة: هذه الرحمة ينبغي علينا أن نتنبه إليها، أين رحمتك؟ أنت إنسان موظف في دائرة، أتاك شاب أو رجل فقير جداً له أمر عندك، لماذا تضيّق عليه حتى تأخذ منه رشوة؟ أين رحمتك بهذا الإنسان؟ أين رحمتك إذا كنت مليئاً، وأموالك مكدسة في البنوك، وترى حالة الإنسان الفقير المحتاج؟ والأكثر من ذلك تدخل إلى الموظف وهو يضع القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك، وهاتفه الجوال إذا رنَّ وإذا به: طلع البدر علينا، أو صلى الله على محمد، أو يا حمام المدينة، فتتفاءل به خيراً، فتطلب منه معاملة فيشير إليك لتدفع له الرشوة، على أي أساس؟ أين رحمتك يا من يريد رحمة الله عز وجل؟

ورحمة الله على السلف الصالح عندما كان يريد أحدهم أن يبيعَ يسألُ المشتري: هل ستشتري نقداً أم بالتقسيط؟ سعر البضاعة نقداً مئة، وبالتقسيط تسعون، ذلك المجتمع كان متماسكاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [رواه مسلم]، أين رحمة التجار؟ وبالتالي أيها الإخوة إن لم نجد رحمة ممن هو فوقنا فلا نستغرب، لأننا لا نرحم من هو دوننا، فإذا لم أرحم من هو دوني فلن يرحمني من هو فوقي، وبالتالي كلنا ظالم ومظلوم، وربنا يقول للجميع: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار}.

أيها الإخوة: الرحمة ينبغي أن تكون عامة، انظر إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مر في السوق فوجد أناساً جلوساً على دوابّ لهم يتحدثون، فقال صلى الله عليه وسلم: (اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً لله منه) [رواه أحمد]، كان صلى الله عليه وسلم رحيماً بالحيوان، فإذا رأيت إنساناً فقيراً وأنت غني، أو رأيت ضعيفاً وأنت قوي، فوالله قد يكون عند الله خيراً منك، فلماذا لا ترحم من له مكانة عند الله عز وجل حتى يرحمك الله تعالى.

أيها الإخوة: ارحموا أصحاب الحاجة، ارحموا الضعفاء، ارحموا المساكين، ارحموا المرضى، ارحموا أصحاب الحوائج يرحمكم الله عز وجل، كما تدين تُدان، والحمد لله رب العالمين.

 

 2007-12-14
 6446
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  دروس رمضانية

17-05-2018 2785 مشاهدة
1ـ دروس رمضانية 1439هـ :القرآن هو أنيسنا في رمضان

شَهْرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ شَهْرُ الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: ... المزيد

 17-05-2018
 
 2785
24-06-2017 4006 مشاهدة
46ـ دروس رمضانية 1438هـ: مراقبة الله تعالى

يَا أُمَّةَ سيِّدِنا رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، إنَّ أمَّتَكُم هَذهِ التِي ابتَعَثَ إليها ربُّنا عزَّ وجلَّ سيِّدَنا محمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ربَّاهَا على مُراقَبَةِ ... المزيد

 24-06-2017
 
 4006
23-06-2017 4254 مشاهدة
45ـ دروس رمضانية 1438هـ : إني أخاف أن أقول ما لا أفعل

مَن حُجِبَ عن العِلْمِ عَذَّبَهُ اللهُ تعالى على جَهْلِهِ، وأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابَاً من أَقبَلَ عَلَيهِ العِلْمُ فَأَدْبَرَ عَنهُ، وسَاقَ اللهُ إِلَيهِ الهُدَى فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ ... المزيد

 23-06-2017
 
 4254
22-06-2017 3688 مشاهدة
44ـ دروس رمضانية 1438هـ:التسليم للقضاء والقدر

جَمِيعُ الأُمُورِ بِيَدِ اللهِ تعالى مَقَادِيرُهَا، فلا يَأْتِي للعَبْدِ مِنْهَا إلا مَا قُدِّرَ لَهُ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ تعالى السَّمَاواتِ والأَرْضَ، فَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. ... المزيد

 22-06-2017
 
 3688
21-06-2017 3531 مشاهدة
43ـ دروس رمضانية 1438هـ : الحلم بالتحلم

يَقولُ الإمامُ الغزالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الحَليمُ هوَ الذي يُشاهِدُ مَعصِيَةَ العُصاةِ، ويَرَى مُخالَفَةَ الأمرِ، ثمَّ لا يَستَفِزُّهُ غَضَبٌ، ولا يَعتَريهِ غَيظٌ، ولا يَحمِلُهُ على المسَارَعَةِ إلى الانتِقامِ معَ غَايَةِ الاقتِدارِ عَجَلَةٌ ... المزيد

 21-06-2017
 
 3531
20-06-2017 3889 مشاهدة
42ـدروس رمضانية 1438هـ : اعملوا عمل أهل الجنة

الحَمدُ لله الذي بِيَدِهِ المَوتُ والحَياةُ، الحَمدُ لله الذي بِيَدِهِ مَلَكوتُ السَّمَاواتِ والأرضِ، الحَمدُ لله الذي يُطعِمُ ولا يُطعَمُ، الحَمدُ لله الذي مَنَّ عَلَينا بالهِدَايَةِ بَعدَ خَلْقِنا، الحَمدُ لله الذي أسبَغَ عَلَينا نِعَمَهُ الظَّاهِرَةَ ... المزيد

 20-06-2017
 
 3889

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5377
المقالات 2865
المكتبة الصوتية 4200
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 403205842
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2021 
برمجة وتطوير :