أهمية الفقه

أهمية الفقه

1- الفقه في الدين

أهمية الفقه

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِنَ الآفَاتِ التي أُصِيبَتْ بِهَا الأُمَّةُ هِيَ عَدَمُ الاهْتِمَامِ بِطَلَبِ العِلْمِ وَالاسْتِزَادَةِ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرَاً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» رواه الشيخان عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمَاً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَاً إِلَى الجَنَّةِ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

فَضْلُ العِلْمِ وَأَهْلِهِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: طَلَبُ العِلْمِ وَالتَّفَقُّهُ في الدِّينِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ وَعَظِيمَةٌ جِدَّاً، لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى رَفَعَ قَدْرَ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ، فَأَنْزَلَهُمْ أَعْظَمَ مَنْزِلَةٍ، حِينَ اسْتَشْهَدَهُمْ عَلَى أَعْظَمِ شَهَادَةٍ، بَعْدَ أَنْ شَهِدَ بِهَا، وَأَشْهَدَ بِهَا مَلَائِكَتَهُ، فَقَالَ تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ﴾.

وَأَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الفُقَهَاءَ وَالعُلَمَاءَ هُمُ الذينَ يَخْشَوْنَ اللهَ حَقَ ّخَشْيَتِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾.

وَحَكَمَ اللهُ تعالى لِصَالِحِ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾.

وَأَخْبَرَ اللهُ تعالى أَنَّ الفُقَهَاءَ وَالعُلَمَاءَ وَحْدَهُمْ هُمُ المُؤَهَّلُونَ لِفَهْمِ كِتَابِهِ العَظِيمِ، فَقَالَ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ﴾.

وَأَخْبَرَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَنَّ الفُقَهَاءَ وَالعُلَمَاءَ مَرْفُوعُونَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَقَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

بَلْ لَمْ يَأْمُرِ اللهُ تعالى سَيِّدَنَا مُحَمَّدَاً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالازْدِيَادِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ العِلْمِ، فَقَالَ تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً﴾.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالفِقْهُ بِالتَّفَقُّهُ، وَالحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَالسَّعِيدُ المُوَفَّقُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللهُ تعالى بِالعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ في دِينِ اللهِ تعالى، وَهَذِهِ المَنْزِلَةُ يَخْتَصُّ اللهُ تعالى بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَجْعَلُهُمْ أُمَنَاءَ عَلَى وَحْيِهِ، روى البَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ».

السَّعِيدُ المُوَفَّقُ مَنْ جَعَلَهُ اللهُ تعالى مِنْ وُرَّاثِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمِمَّنْ شُمِلَ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وَمِمَّنْ شُمِلَ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. حَيْثُ أَحَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِنَ الآفَاتِ الكُبْرَى في المُجْتَمَعَاتِ أَنْ يَقِلَّ أَهْلُ الفِقْهِ وَالعِلْمِ وَأَهْلُ البَصِيرَةِ، وَيَتَصَدَّرَ غَيْرُهُمْ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإمام البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعَاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمَاً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسَاً جُهَّالَاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». وَهَذِهِ زَلَّةٌ عَظِيمَةٌ، لِأَنَّ الذي لَيْسَ لَهُ فِقْهٌ وَبَصَرٌ في هَذَا الدِّينِ يُضِلُّ فِئَامَاً مِنَ النَّاسِ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ صَارَ لِزَامَاً عَلَيْنَا أَنْ نَتَفَقَّهَ في دِينِ اللهِ تعالى حَتَّى نَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِنَا، وَحَتَّى يَكُونَ عَمَلُنَا مَبْنِيَّاً عَلَى أَسَاسٍ مِنَ العِلْمِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَمَلٌ بِدُونِ عِلْمٍ، فَنَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُفَقِّهَنَا في دِينِ اللهِ تعالى.

تَعْرِيفُ الفِقْهِ لُغَةً:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الفِقْهُ لُغَةً: الفَهْمُ مُطْلَقَاً، سَوَاءٌ مَا ظَهَرَ أَو خَفِيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرَاً مِمَّا تَقُولُ﴾. يَعْنِي: لَا نَفْهَمُ كَثِيرَاً مِمَّا تَقُولُ.

الفِقْهُ لُغَةً هُوَ الفَهْمُ، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. يَعْنِي: لَا تَفْهَمُونَ تَسْبِيحَهُمْ.

وَأَمَّا تَعْرِيفُ الفِقْهِ اصْطِلَاحَاً، هُوَ العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِنْ فَضْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الأُمَّةِ أَنْ أَكْرَمَهَا بِهَذَا الدِّينِ حَيْثُ غَطَّاهَا في جَمِيعِ أَحْوَالِهَا وَلَمْ يَتْرُكِ النَّاسَ وَشَأْنَهُمْ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا يَسْتَبِدُّ كُلٌّ بِرَأْيِهِ، وَيَتَّبِعُ شَهَوَاتِهِ، وَيَسِيرُ وَرَاءَ مَصَالِحِهِ وَأَنَانِيَّاتِهِ، بَلْ وَضَعَ للِأُمَّةِ أَرْفَعَ المَبَادِئِ، وَأَقْوَمَ القَوَاعِدِ التي تُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الفَرْدِ وَالجَمَاعَةِ، دُونَ أَنْ تَطْغَى مَصْلَحَةُ الفَرْدِ عَلَى مَصْلَحَةِ الجَمَاعَةِ، وَدُونَ أَنْ تَطْغَى مَصْلَحَةُ الجَمَاعَةِ عَلَى مَصْلَحَةِ الفَرْدِ، فَتُهَدِّدُ كِيَانَهُ وَوُجُودَهُ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقًدْ أَكْرَمَنَا اللهُ تعالى بِالفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ الذي أَحَاطَ بِجَمِيعَ أَعْمَالِ الإِنْسَانِ، وَنَظَّمَهَا عَلَى وِفْقِ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الذي لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُفَقِّهَنَا في الدِّينِ، وَيُعَلِّمَنَا التَّأْوِيلَ. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 13/ شوال /1440هـ، الموافق: 17/حزيران / 2019م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  الفقه الإسلامي

30-09-2019 22 مشاهدة
11ـ النجاسة المغلظة والنجاسة المخففة

يُقَسِّمُ الفُقَهَاءُ النَّجَاسَاتِ إلى مُغَلَّظَةٍ وَمُخَفَّفَةٍ، فَالمُغَلَّظَةُ هِيَ مَا وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ لَمْ يُعَارَضْ بِنَصٍّ آخَرَ، فَإِنْ عَارَضَهُ نَصٌّ آخَرُ فَهِيَ نَجَاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ، أَو هِيَ مَا اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى ... المزيد

 30-09-2019
 
 22
23-09-2019 39 مشاهدة
10ـ النجاسات المختلف في نجاستها (2)

أولاً: مَيْتَةُ الحَيَوَانِ البَحْرِيِّ، ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إلى حِلِّ مَيْتَةِ البَحْرِ، وَعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لَا يَحِلُّ مِنَ الحَيَوَانِ المَائِيِّ إِلَّا السَّمَكُ. ... المزيد

 23-09-2019
 
 39
17-09-2019 35 مشاهدة
9ـ النجاسات المختلف في نجاستها

لَقَدْ ذَكَرْنَا في الدَّرْسِ المَاضِي النَّجَاسَاتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الفُقَهَاءِ، وَهِيَ: أولاً: الخِنْزِيرُ، ثانياً: الدَّمُ، ثالثاً: المَيْتَةُ، رابعاً: البَوْلُ، خامساً: الغَائِطُ، سادساً: القَيْءُ، سابعاً: المَذْيُ، ثامناً: الوَدْيُ، ... المزيد

 17-09-2019
 
 35
04-09-2019 44 مشاهدة
8ـ النجاسات المتفق عليها

اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ الخِنْزِيرِ، وَتَحْرِيمِ أَكْلِهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمَاً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَاً مَسْفُوحَاً أَوْ لَحْمَ ... المزيد

 04-09-2019
 
 44
27-08-2019 50 مشاهدة
7ـ أهمية الطهارة في الإسلام

لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ تعالى بِالدِّينِ الإِسْلَامِيِّ الذي جَمَعَ لَنَا فِيهِ كُلَّ أَبْوَابِ الخَيْرِ وَالكَمَالَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، التي تَجْعَلُ مِنَ الإِنْسَانِ إِنْسَانَاً سَوِيَّاً. فَكَمَا أَنَّ المُسْلِمَ شَخْصٌ نَظِيفٌ في سُلُوكِهِ ... المزيد

 27-08-2019
 
 50
30-07-2019 59 مشاهدة
6ـ أحكام الآبار (2)

اتَّفَقَ فُقَهَاءُ المَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الآْدَمِيَّ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ، وَكَانَ طَاهِرَاً مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَكَانَ المَاءُ كَثِيرَاً، فَإِنَّ الْمَاءَ لَا يُعْتَبَرُ مُسْتَعْمَلَاً، وَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ طَهُورِيَّتِهِ. ... المزيد

 30-07-2019
 
 59

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5092
المقالات 2402
المكتبة الصوتية 4024
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 387078522
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :