156ـ عناية الله به    منذ صغره (3)

156ـ عناية الله به    منذ صغره (3)

156ـ عناية الله به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ صغره (3)

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

حَدِيثُهُ، أَوحَدِيثٌ عَـنْهُ يُطْرِبُني   ***   هَذَا إِذَا غَابَ، أَوْ هَذَا إِذَا حَضَرَا

كِـلَاهُمَا حَـسَنٌ عِـنْدِي أُسَرُّ بِهِ   ***    لَكِنَّ أَحْلَاهُمَا مَا وَافَقَ الـــنَّظَرَا

يَقُولُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ عَبْدُ اللهِ سِرَاجُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ: سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:

وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلَاً فَأَغْنَى﴾. فَالمَعْنَى: وَجَدَكَ ذَا عَيْلَةٍ ـ أَيْ: إِقْلَالٍ ـ أَوْ ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ رَبُّكَ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَفَتَحَ عَلَيْكَ أَبْوَابَ الرِّزْقِ وَالخَيْرِ الكَثِيرِ.

قَالَ الإِمَامُ القَسْطَلَانِيُّ في المَوَاهِبِ: قَالَ الحَلِيمِيُّ في شُعَبِ الإِيمَانِ: مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُوصَفَ بِمَا هُوَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ أَوْصَافِ الضَّعَةِ ـ أَيْ: النَّقْصِ ـ فَلَا يُقَالُ: كَانَ فَقِيرَاً. اهـ.

لِأَنَّهُ يُوهِمُ النَّقْصَ، وَأَنَّهُ فَقِيرٌ قَهْرَاً لَا اخْتِيَارَاً.

قَالَ القَسْطَلَانِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ في الشِّفَا، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السَّبْكِيُّ في كِتَابِ: السَّيِفِ المَسْلُولِ، أَنَّ فُقَهَاءَ الأَنْدَلُسِ أَفْتَوْا بِقَتْلِ حَاتِمٍ المُتَفَقِّهِ الطُّلَيْطِلِيِّ وَصَلْبِهِ، لِاسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَتَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ أَثْنَاءَ مُنَاظَرَتِهِ بِاليَتِيمِ، وَزَعْمِهِ أَنَّ زُهْدَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ قَصْدَاً، وَلَوْ قَدِرَ عَلَى الطَّيِّبَاتِ أَكَلَهَا. اهـ، قَالَ الشَّارِحُ الزَّرْقَانِيُّ: وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ ـ هَذِهِ ـ الثَّلَاثِ كَافِيَةٌ في القَتْلِ بِلَا اسْتِتَابَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى. اهـ.

وَنَقَلَ القَسْطَلَانِيُّ، عَنِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السَّبْكِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقِيرَاً مِنَ المَالِ قَطُّ وَلَا حَالُهُ حَالُ فَقِيرٍ، بَلْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَغْنَى النَّاسِ، فَقَدْ كَفَى أَمْرَ دُنْيَاهُ في نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ.

وَكَانَ الشَّيْخُ السَّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى يَقُولُ في الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينَاً، وَتَوَفَّنِي مِسْكِينَاً، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ المَسَاكِينِ» المُرَادُ بِهِ اسْتِكَانَةُ القَلْبِ.

قَالَ الزَّرْقَانِيُّ: أَيْ: تَوَاضُعَ القَلْبِ وَانْكِسَارَهُ إلى اللهِ تعالى، لَا المَسْكَنَةُ التي هِيَ أَنْ لَا يَجِدَ مَا يَقَعُ مَوْقِعَاً مِنْ كِفَايَتِهِ.

وَكَانَ يُشَدِّدُ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ خِلَافَ ذَلِكَ. اهـ.

قَالَ الزَّرْقَانِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ نَفِيسٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ المَنْفِيَّ سُؤَالُ مَسْكَنَةٍ تَرْجِعُ إلى القِلَّةِ وَعَدَمِ الكِفَايَةِ. اهـ.

وَقَدْ سَبَقَ إلى ذَلِكَ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ مَسْكَنَةً تَرْجِعُ إلى القِلَّةِ، بَلْ إلى الإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: قَالَ العَلَّامَةُ الزَّرْقَانِيُّ: وَنَحْوُهُ قَوْلُ الغَزَالِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: اسْتِعَاذَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الفَقْرِ، لَا تُنَافِي المَسْكَنَةَ، لِأَنَّ الفَقْرَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ:

الأَوَّلُ: الافْتِقَارُ إلى اللهِ تعالى، وَالاعْتِرَافُ بِالذُّلِّ وَالمَسْكَنَةِ لَهُ.

وَالثَّانِي: فَقْرُ الاضْطِرَارِ، وَهُوَ فَقْدُ المَالِ المُضْطَرِّ إِلَيْهِ، كَجَائِعٍ فَقَدَ الخُبْزَ، فَهَذَا الذي اسْتَعَاذَ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَالأَوَّلُ ـ أَيْ: الافْتِقَارُ إلى اللهِ تعالى ـ هُوَ الذي سَأَلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. اهـ. انْظُرْ جَمِيعَ تِلْكَ النُّقُولِ في المَوَاهِبِ وَشَرْحِهَا للزَّرْقَانِيِّ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَكَيْفَ يَكُونُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقِيرَاً فَقْرَ اضْطِرَارٍ وَفَقْدَ مَالٍ، وَالحَالُ قَدْ عَرَضَ اللهُ تعالى عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبَاً؛ فَأَبَى ذَلِكَ؟!

وَقَدْ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيَّاً مَلِكَاً، أَو نَبِيَّاً عَبْدَاً، فَقَالَ: «بَلْ نَبِيَّاً عَبْدَاً».

فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبَاً.

قُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمَاً وَأَجُوعُ يَوْمَاً، فَإِذَا جِعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاتِّبَاعِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 28/ ربيع الأول /1441هـ، الموافق: 25/ تشرين الثاني / 2019م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  من كتاب سيدنا محمد رسول الله   

26-07-2020 34 مشاهدة
186ـ مداواة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ببصاقه الشريف

كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَصَقَ عَلَى مَرِيضٍ أَو نَفَثَ أَو تَفَلَ عَلَى مَوْضِعِ مَرَضِهِ بَرِئَ المَرِيضُ وَشُفِيَ بِإِذْنِ اللهِ تعالى، وَقَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ، وَلِذَا ... المزيد

 26-07-2020
 
 34
17-07-2020 46 مشاهدة
185ـ تبرك الصحابة بنخامة النبي الله صلى الله عليه وسلم

حَدِيثُهُ، أَوحَدِيثٌ عَـنْهُ يُطْرِبُني   ***   هَذَا إِذَا غَابَ، أَوْ هَذَا إِذَا حَضَرَا كِـلَاهُمَا حَـسَنٌ عِـنْدِي أُسَرُّ بِهِ   ***    لَكِنَّ أَحْلَاهُمَا مَا وَافَقَ الـــنَّظَرَا يَقُولُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ عَبْدُ اللهِ ... المزيد

 17-07-2020
 
 46
10-07-2020 70 مشاهدة
184ـ تبرك الصحابة بثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم

تَبَرُّكُ الصَّحَابَةِ بِثِيَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِشْفَاؤُهُمْ بِهَا: رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ ... المزيد

 10-07-2020
 
 70
02-07-2020 70 مشاهدة
183ـ تبرك الصحابة بموضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم

رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ، بَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ... المزيد

 02-07-2020
 
 70
26-06-2020 78 مشاهدة
182ـ تبرك الصحابة بموضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم

يَقُولُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ عَبْدُ اللهِ سِرَاجُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ: سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: انْتِصَارُ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وَاستِفْتَاحُهُ ... المزيد

 26-06-2020
 
 78
19-06-2020 72 مشاهدة
181ـ تبرك الصحابة بأجزاء النبي صلى الله عليه وسلم

تَبَرُّكُ الصَّحَابَةِ بِأَجْزَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَآثَارِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ ... المزيد

 19-06-2020
 
 72

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5236
المقالات 2652
المكتبة الصوتية 4060
الكتب والمؤلفات 17
الزوار 391077495
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :