18ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة

18ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة

18ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ سَيِّدِي العَارِفُ بِاللهِ تعالى، المُرْشِدُ الكَبِيرُ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِر عِيسَى رَحِمَهُ اللهُ تعالى، في كِتَابِهِ: حَقائِقُ عَنِ التَّصَوُّفِ:

أَقْوَالُ العَارِفِينَ بِاللهِ مِنْ رِجَالِ التَّصَوُّفِ فِي فَائِدَةِ الصُّحْبَةِ وَآدَابِهَا:

إِنَّ السَّادَةَ الصُّوفِيَّةَ هُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ تَعَبُّدِيَّةٍ خَالِصَةٍ، تَقُومُ أُسُسُهَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالإِذْعَانِ لِنَصِيحَةِ نَاصِحٍ، أَو تَوْجِيهِ مُرْشِدٍ، فَنَشَأَتْ بَيْنَهُمْ تِلْكَ الـمَدَارِسُ الرُّوحِيَّةُ التي قَامَتْ عَلَى أَعْظَمِ أَسَالِيبِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّقْوِيمِ، وَأَقْوَى صِلَاتِ الرُّوحِ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالـمُرِيدِ.

وَلِذَا يُوصِي العَارِفُونَ بِاللهِ تَعَالَى كُلَّ مَنْ أَرَادَ سُلُوكَ طَرِيقِ الحَقِّ الـمُوصِلِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ وَرِضَاهُ بِالصُّحْبَةِ، وَرُوحُهَا الاعْتِقَادُ وَالتَّصْدِيقُ بِهَؤُلَاءِ الـمُرْشِدِينَ الدَّالِّينَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، الـمُوصِلِينَ إِلَى حَضْرَتِهِ القُدُّوسِيَّةِ.

أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ:

قَالَ الإِمَامُ حُجَّةُ الإِسْلَامِ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (الدُّخُولُ مَعَ الصُّوفِيَّةِ فَرْضُ عَيْنٍ، إِذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ عَيْبٍ أَو مَرَضٍ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ).

وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: (كُنْتُ فِي مَبْدَأِ أَمْرِي مُنْكِرَاً لِأَحْوَالِ الصَّالِحِينَ، وَمَقَامَاتِ العَارِفِينَ، حَتَّى صَحِبْتُ شَيْخِي (يُوسُفَ النَّسَّاج) فَلَمْ يَزَلْ يَصْقِلْنِي بِالـمُجَاهَدَةِ حَتَّى حَظِيتُ بِالوَارِدَاتِ، فَرَأَيْتُ اللهَ تَعَالَى في الـمَنَامِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا حَامِدٍ، دَعْ شَوَاغِلَكَ، وَاصْحَبْ أَقْوَامَاً جَعَلْتُهُمْ في أَرْضِي مَحَلَّ نَظَرِي، وَهُمُ الذينَ بَاعُوا الدَّارَيْنَ بِحُبِّي. قُلْتُ: بِعِزَّتِكَ إِلَّا أَذَقْتَنِي بَرْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَالقَاطِعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ تَشَاغُلُكَ بِحُبِّ الدُّنْيَا، فَاخْرُجْ مِنْهَا مُخْتَارَاً قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا صَاغِرَاً، فَقَدْ أَفَضْتُ عَلَيْكَ أَنْوَارَاً مِنْ جِوَارِ قُدْسِي، فَاسْتَيْقَظْتُ فَرِحَاً مَسْرُورَاً وَجِئْتُ إِلَى شَيْخِي (يُوسُفَ النَّسَّاج) فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الـمَنَامَ، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: يَا أَبَا حَامِدٍ هَذِهِ أَلْوَاحُنَا في البِدَايَةِ، بَلْ إِنْ صَحِبْتَنِي سَتُكَحَّلُ بَصِيرَتُكَ بِإِثْمِدِ التَّأْيِيدِ... إلخ).

وَقَالَ أَيْضَاً: (مِمَّا يَجِبُ في حَقِّ سَالِكِ طَرِيقِ الحَقِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُرْشِدٌ وَمُرَبٍّ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَيَرْفَعَ عَنْهُ الأَخْلَاقَ الـمَذْمُومَةَ، وَيَضَعَ مَكَانَهَا الأَخْلَاقَ الـمَحْمُودَةَ، وَمَعْنَى التَّرْبِيَةِ أَنْ يَكُونَ الـمُرَبِّي كَالزَّارِعِ الذي يُرَبِّي الزَّرْعَ، فَكُلَّمَا رَأَى حَجَرَاً أَو نَبَاتَاً مُضِرَّاً بِالزَّرْعِ قَلَعَهُ وَطَرَحَهُ خَارِجَاً، وَيَسْقِي الزَّرْعَ مِرَارَاً إِلَى أَنْ يَنْمُوَ وَيَتَرَبَّى، لِيَكُونَ أَحْسَنَ مِنْ غَيْرِهِ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الزَّرْعَ مُحْتَاجٌ للمُرَبِّي، عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ للسَّالِكِ مِنْ مُرْشِدٍ البَتَّةَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ للخَلْقِ لِيَكُونُوا دَلِيلَاً لَهُمْ، وَيُرْشِدُوهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الـمُسْتَقِيمِ، وَقَبْلَ انْتِقَالِ الـمُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ قَدْ جَعَلَ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ نُوَّابَاً عَنْهُ لِيَدُلُّوا الخَلْقَ إِلَى طَرِيقِ اللهِ، وَهَكَذَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَالسَّالُكَ لَا يُسْتَغْنَي عَنِ الـمُرْشِدِ البَتَّةِ).

وَمِنْ قَوْلِهِ: (يَحْتَاجُ الـمُرِيدُ إِلَى شَيْخٍ وَأُسْتَاذٍ يَقْتَدِي بِهِ لَا مَحَالَةَ لِيَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، فَإِنَّ سَبِيلَ الدِّينِ غَامِضٌ، وَسُبُلَ الشَّيْطَانِ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ. فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْخٌ يَهْدِيهِ، قَادَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى طُرُقِهِ لَا مَحَالَةَ. فَمَنْ سَلَكَ سُبُلَ البَوَادِي الـمُهْلِكَةِ بِغَيْرِ خَفِيرٍ فَقَدْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ وَأَهْلَكَهَا، وَيَكُونُ الـمُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ كَالشَّجَرَةِ التي تَنْبُتُ بِنَفْسِهَا فَإِنَّهَا تَجِفُّ عَلَى القُرْبِ، وَإِنْ بَقِيَتْ مُدَّةً وَأَوْرَقَتْ لَمْ تُثْمِرْ، فَمُعْتَصَمُ الـمُرِيدِ شَيْخُهُ، فَلْيَتَمَسَّكْ بِهِ).

وَيَقُولُ الغَزَالِيُّ: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرَاً بَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ، فَمَنْ كَانَتْ بَصِيرَتُهُ نَافِذَةً لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ عُيُوبُهُ، فَإِذَا عَرَفَ العُيُوبَ أَمْكَنَهُ العِلَاجُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الخَلْقِ جَاهِلُونَ بِعُيُوبِ أَنْفُسِهِمْ، يَرَى أَحَدُهُمُ القَذَى في عَيْنِ أَخِيهِ وَلَا يَرَى الجِذْعَ في عَيْنِ نَفْسِهِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ عُيُوبَ نَفْسِهِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ:

الأَوَّلُ: أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخٍ بَصِيرٍ بِعُيُوبِ النَّفْسِ، مُطَّلِعٍ عَلَى خَفَايَا الآفَاتِ، وَيُحَكِّمَهُ في نَفْسِهِ، وَيَتَّبِعَ إِشَارَاتِهِ في مُجَاهَدَاتِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الـمُرِيدِ مَعَ شَيْخِهِ، وَالتِّلْمِيذِ مَعَ أُسْتَاذِهِ، فَيُعَرِّفُهُ أُسْتَاذُهُ وَشَيْخُهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَيُعَرِّفُهُ طَرِيقَ عِلَاجِهَا... إلخ).

رَحِمَ اللهُ تعالى شَيْخَنَا رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَجَزَى اللهُ تعالى خَيْرَ الجَزَاءِ مَنْ قَالَ في حَقِّهِ:

وَعَـلَى أَبِي أَيُّـوبَ حَلَّ فَـقِيدُنَا    ***   ضَـيْـفَـاً فَـكَـانَ لَـهُ المَقَامُ الأَرْفَعُ

بِـجِوَارِ مَنْ نَزَلَ الحَبِيبُ بِدَارِهِ    ***   وَاخْتَارَهُ بِـالـفَـضْـلِ رَبٌّ مُـبْـدِعُ

وَلَهُ مِنَ الـشَّهْبَـاءِ أَصْـلٌ ثَابِتٌ   ***   وَعَلَى ذُرَا اسْتَنْبُولَ مَـثْـوَىً يَسْطَعُ

ذِكْرَاهُ إِنْ ذُكِرَتْ ذُكَاءُ فَمَشْرِقٌ    ***   وَسَنَاهُ إِنْ طَلَعَ الهِلَالُ فَـمَـطْـلِـعُ

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الجمعة: 15/ جمادى الأولى /1441هـ، الموافق: 10/كانون الثاني / 2020م

 2020-01-10
 7898
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  حقائق عن التصوف

01-11-2020 3006 مشاهدة
27ـ أخذ العهد

مِمَّا سَبَقَ ثَبَتَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمُرِيدِ الكَمَالِ أَنْ يَلْتَحِقَ بِمُرْشِدٍ يَتَعَهَّدُهُ بِالتَّوْجِيهِ وَيُرْشِدُهُ إِلَى الطَّرِيقِ الحَقِّ وَيُضِيءُ لَهُ مَا أَظْلَمَ مِنْ جَوَانِبِ نَفْسِهِ، حَتَّى يَعْبُدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى ... المزيد

 01-11-2020
 
 3006
24-10-2020 3030 مشاهدة
26ـ شروط المرشد

وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ زَكَّى نَفْسَهُ عَلَى يَدِ مُرَبٍّ وَمُرْشِدٍ، فَخَبَرَ مَرَاتِبَ النَّفْسِ وَأَمْرَاضَهَا وَوَسَاوِسَهَا، وَعَرَفَ أَسَالِيبَ الشَّيْطَانِ وَمَدَاخِلَهُ. وَآفَاتِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ ... المزيد

 24-10-2020
 
 3030
17-10-2020 3392 مشاهدة
25ـ البحث عن الوارث المحمدي (2)

يَقُولُ ابْنُ عجيبة: (وَالنَّاسُ في إِثْبَاتِ الخُصُوصِيَّةِ وَنَفْيِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: 1ـ قِسْمٌ أَثْبَتُوهَا للمُتَقَدِّمِينَ وَنَفَوْهَا عَنِ الـمُتَأَخِّرِينَ؛ وَهُمْ أَقْبَحُ العَوَامِّ. 2ـ وَقِسْمٌ أَقَرَّوْهَا قَدِيمَاً وَحَدِيثَاً، ... المزيد

 17-10-2020
 
 3392
11-10-2020 3198 مشاهدة
24ـ البحث عن الوارث المحمدي

البَحْثُ عَنِ الوَارِثِ المُحَمَّدِيِّ: مِمَّا سَبَقَ يَتَبَيَّنُ أَهَمِّيَّةُ صُحْبَةِ الوَارِثِ الـمُحَمَّدِيِّ للتَّرَقِّي فِي مَدَارِجِ الكَمَالِ، وَتَلَقِّي دُرُوسِ الآدَابِ وَالفَضَائِلِ، وَاكْتِشَافِ العُيُوبِ الخَفِيَّةِ وَالأَمْرَاضِ ... المزيد

 11-10-2020
 
 3198
11-10-2020 3080 مشاهدة
23ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (6)

قَالَ شَيْخُنَا الكَبِيرُ مُرَبِّي العَارِفِينَ وَالدَّالُّ عَلَى اللهِ سَيِّدِي مُحَمَّدُ الهَاشِمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (فَاسْلُكْ يَا أَخِي عَلَى يَدِ شَيْخٍ حَيٍّ عَارِفٍ بِاللهِ، صَادِقٍ نَاصِحٍ، لَهُ عِلْمٌ صَحِيحٌ، وَذَوْقٌ صَرِيحٌ، ... المزيد

 11-10-2020
 
 3080
10-03-2020 3870 مشاهدة
22ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (5)

قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد زَرُّوق رَحِمَهُ اللهُ في قَوَاعِدِهِ: (أَخْذُ العِلْمِ وَالعَمَلِ عَنِ الـمَشَايِخِ أَتَمُّ مِنْ أَخْذِهِ دُونَهُم ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49] ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ ... المزيد

 10-03-2020
 
 3870

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5721
المقالات 3267
المكتبة الصوتية 4884
الكتب والمؤلفات 21
الزوار 442265339
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2026 
برمجة وتطوير :