34ـ نحو أسرة مسلمة: الحرص على سلامة قلوب الأبناء

34ـ نحو أسرة مسلمة: الحرص على سلامة قلوب الأبناء

 

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد ذكرنا في الدروس الماضية وجوب الاهتمام بتربية الأبناء، وبأنا سنسأل عنهم يوم القيامة، فمن أحسن التربية لهم جمعهم الله جميعاً في عقبى الدار، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب}.

ومن قصَّر أو أساء أو أهمل تربية الأبناء بسبب انشغاله بأعراض الدنيا فإنَّه سيندم يوم القيامة ولا ينفعه الندم، عندما يفرَّ ممن قصَّر في حقهم، قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه * وَأُمِّهِ وَأَبِيه * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه}.

الاهتمام بسلامة قلوبهم:

من جملة ما يجب علينا أن نربِّي عليه أبناءنا سلامةُ قلوبهم من الحقد والحسد، وذلك لقول الله عز وجل: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم}. والمقصود بسلامة القلب هذا القلب المعنوي لا القلب الصنوبري الذي يضخ الدم بنواحي الجسد، لأنَّك تجد قلباً سليماً لرجل كافر، ماذا ينفعه سلامة قلبه المادي، مع سلامة جسده بسبب سلامة القلب، إذا كان مصيره إلى النار؟

أما القلب السليم المقصود بهذه الآية فهو القلب المعنوي، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور}.

فالواجب علينا أن نهتمَّ بسلامة قلوبنا وقلوب أبنائنا، وأن ندرِّبهم على أن الله تعالى ناظر إلى القلوب، كما قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) رواه مسلم. فيجب أن يكون القلب سليماً، لأنَّه محلُّ نظر الرب جلَّ جلاله، فمن سلم قلبه سلمت أعماله بإذن الله تعالى، ومن فسد قلبه فسدت أعماله، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ) رواه مسلم.

ماذا تنفع العبادات الظاهرة إذا كان القلب مليئاً بالحقد والحسد والضغينة؟ وماذا تنفع سلامة قلبه بدون عمل صالح؟ فلا بدَّ من الجمع بينهما، فمن عَبَدَ الله تعالى بصلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وتلاوة للقرآن، وأهمل سلامة قلبه فقد عرَّض تلك العبادات للضياع لا قدَّر الله، عن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّامِ عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ) رواه الترمذي. فالحسد والحقد والضغينة تذهب بالعبادات والعياذ بالله تعالى، ورحم الله من قال:

يَا خادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ *** وتَطلُب الرِّبْحَ مما فيه خُسْرَانُ

عليك بالنفسِ فاستكمل فَضائلَهَا *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ

اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بسلامة قلوب أصحابه:

أيها الإخوة: انظروا إلى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بسلامة قلوب أصحابه الكرام، فهو صلى الله عليه وسلم لا يريد من أصحابه الكرام فقط الالتزام ظاهراً بالأحكام، لا يريد صلى الله عليه وسلم أن يطبِّقوا قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون}. فقط، بل يريد أن يسمو بهم فوق هذا المستوى الحسن إلى الأحسن والأكمل، أن تكون قلوبهم سليمة لا يوجد فيها حتى البغض، كما كان صلى الله عليه وسلم، فهو ما عُرِفَ عنه أنَّه حمل شيئاً في قلبه صلى الله عليه وسلم على من أساء إليه، فقد كان قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم سليماً على جميع خلق الله حتى في حقِّ من أساء إليه من المشركين ومن أهل الكتاب ومن المنافقين، وحياةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرتُهُ العطرة أكبر شاهد على ذلك.

لذلك رأينا النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً كل الحرص على سلامة قلوب أصحابه، وصدق الله القائل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم}. فمن حرصه علينا أنَّه صلى الله عليه وسلم خاطَبَنا وخاطب المؤمنين جميعاً إلى يوم القيامة من خلال سيدنا أنس خادمه رضي الله عنه عندما قال له: (يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ فَافْعَلْ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) رواه الترمذي.

ما نوع حرصك على ولدك؟

أيها الإخوة لنتساءل مع أنفسنا: ما هو نوع حرصنا على أبنائنا؟ إن كان حرصنا على أبنائنا مقصوراً على سلامة أبدانهم ودنياهم فقط فقد خِبْنا وخَسِرنا وما نصحنا أبناءنا أبداً، وأما إن كان حرصُنا عليهم من أجل سلامة الظاهر والباطن، ومن أجل سلامة الدنيا والآخرة فقد نَصَحْنا أبناءَنا وصدقْنا معهم، وأُجِرنا على ذلك إن شاء الله تعالى.

وإني أتساءل معكم أيها الإخوة: هل نحن نهتم بسلامة قلوب أبنائنا أم أننا نغرس في قلوبهم الحقد والحسد بأيدينا؟

الجواب: بداية نقول: نعوذ بالله، نحن لا نغرس في قلوبهم الحقد والحسد، وكيف يكون هذا؟

إذاً أنتم تنكرون عليَّ هذا الكلام وتردُّونه عليَّ، بمعنى: أنَّكم تقولون نحن نربِّي أبناءنا على سلامة القلوب وطهارتها لا على الحقد والحسد.

كونوا صادقين مع أنفسكم:

أيها الإخوة: كونوا صادقين مع أنفسكم، وقبل الجواب عن أيِّ سؤال يُعرض عليكم فكِّروا في الجواب مليّاً ثم أجيبوا.

لو أردتُ أيها الإخوة أن أضع نفسي، وتضعوا أنفسكم في ميزان الشرع في تعاملنا مع أبنائنا من خلال المال، ثم ننظر هل نحن نغرس في قلوب الأبناء الحبَّ لنا أم البغض؟ هل نغرس في قلوبهم الحب لبعضهم البعض أم الحقد والحسد والتباغض والتدابر؟

أين نحن من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أيها الإخوة: أين نحن من توجيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

يقول صلى الله عليه وسلم: (رحم الله والداً أعان ولده على بره) رواه ابن أبي شيبة. أين نحن من هذا ؟ هل يعين أحدُكم ولده على بره، أم يزيده في العقوق من خلال تعامله معه في المال، وخاصة عند توزيع المال عطية لا ميراثاً؟ كم مِنَّا أيها الإخوة من غرس بيده الحقد في نفوس بعض أولاده عندما يسيء التصرف في ماله قسمةً وعطيةً؟ لماذا تُعطي بعض أولادك وتمنع الآخرين؟ لماذا تعطي الذكور دون الإناث؟ لماذا يفرغ الوالد بماله للذكور دون الإناث؟ المعمل للذكور، المصنع للذكور، المزرعة للذكور، البيوت للذكور، أين حصة الإناث؟

والأم تقول: ذهبها للبنات، مالها للبنات، أين حصة الذكور؟

الأب حريص على العطاء للذكور، والأم حريصة على العطاء للإناث، ما هذه الفوضى في التعامل؟

الشرع ضمن لك سلامة القلوب إن التزمت أحكامه، وإلا فأنت المسؤول عند التقصير.

أيها الإخوة: انظروا إلى المربي العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانت مهمته كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين}. تعليمٌ وتزكية، تعليمُ وتطهير للنفس من الغلِّ والحقد والحسد.

أولاً قال لنا: (رحم الله والداً أعان ولده على بره) رواه ابن أبي شيبة. فمن عونك لولدك على برِّك حتى يفوز بسعادة الدارين أن تسوِّي بينه وبين أخواته وإخوته في العطيَّة، قال صلى الله عليه وسلم: (سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً لفضلت النساء) رواه البيهقي.

فرِّقوا أيها الإخوة بين العطيَّة والميراث، العطيَّة تكون منك في حال حياتك، أما الميراث فهو عطاء من الشرع لأولادك ولورثتك من بعد موتك.

فالعطيَّة لها أحكامها، والميراث له أحكامه، الميراث بعد الموت تولَّى الله تعالى تقسيمه بذاته القدسية فقال في حقِّ الأبناء: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}. سهم للأنثى وسهمان للرجل بعد الموت.

أما العطيَّة في حال الحياة فيقول صلى الله عليه وسلم: (سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً لفضلت النساء) رواه البيهقي.

فما ميَّز بين الذكر والأنثى، وما ميَّز بين الطائع والعاصي، أمر بالتسوية بين الجميع، سهم للذكر وسهم للأنثى، لأنَّه عطاء منك، فإن لم تُسَوِّ تكون قد زرعت الحقد في النفوس بيدك، وكنتَ سبباً ومعيناً على العقوق والكراهية من ولدك لك.

أما التفاضل بين الأبناء في الميراث فالأبناء يعلمون بأنَّ هذه قسمةٌ من الله تعالى لا منك، وهم يعلمون السرَّ لماذا سهم للأنثى وسهمان للذكر؟

حديث النعمان بن بشير:

أيها الإخوة: كلكم يعرف حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أذكِّركم به وأذكِّر نفسي حتى نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رضي الله عنه: (أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لابْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لابْنِي، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لابْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَلا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ) رواه مسلم. وفي رواية أخرى قَالَ: (انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ: أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلا إِذًا). وقال أيضاً: (أَتَى بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلامًا، فَقَالَ: أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَارْدُدْهُ).

ما رأيكم بهذا؟

أيها الإخوة: ما رأيكم بهذا؟ هل فرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذكر وأنثى في هذا الحديث؟ ما رأيكم عندما قال له: (فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ)؟ ما رأيكم في سؤاله صلى الله عليه وسلم للبشير: (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلا إِذًا).

ألا تريد أن يكون أبناؤك لك في البر سواء؟ أتريد أن تكون جائراً؟

لا تقل هذا طائع وهذا عاص، يا أخي انظر إلى تعامل الله عز وجل مع خلقه في العطاء المادِّي، الله تعالى يُطعِم العبد الكافر، ويطعم العبد المُلْحِد، كما يطعم العبد المؤمن، عسى ولعل النعمةَ والعطاءَ تكونُ سبباً لهذا العبد العاصي المعرض أن يصطلح معه الله تعالى.

لا تجعل الدنيا همزة قطع:

أيها الإخوة: اجعلوا الدنيا التي في أيديكم همزةَ وصل بينكم وبين أبنائكم، وبين الإخوة والأخوات، ولا تجعلوها همزة قطع، الدنيا حقيرة وتافهة فالله تعالى يعطي منها لمن أحب ولمن لا يحب، ولكن الدين لا يعطيه إلا لمن أحب.

آية مصارف الزكاة:

أيها الإخوة: تدبَّروا آية مصارف الزكاة، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}. هل تدبَّرنا هذه الآية جيداً؟

جعل الله عز وجل سهماً من الزكاة لمن نطمع في دخولهم في الإسلام ولو كان مشركاً، وطبعاً هذا الحكم الآن موقوف لا يُعمل به، لأنَّ شوكة المسلمين قويَّة وليست ضعيفة.

فإذا كان الحق جلَّ جلاله جعل سهماً لعبد كافر من أجل أن نستميل قلبه للإسلام، فكيف بالعبد المؤمن؟ فمن باب أولى وأولى.

اشترِ عقوق ولدك بالمال:

إن كان ولدك عاقّاً لا قدَّر الله فاشترِ عقوقه بالمال، عساه أن يعود إلى رشده، وإيَّاك أن تزيده عقوقاً، كن عوناً له على الطاعة لا عوناً له على المعصية، أترضى أن يكون ولدك من أهل النار؟ كن عوناً له على الشيطان لا عوناً للشيطان عليه، أتريد أن يلعب به الشيطان؟

نموذج رائع من حياة النبي صلى الله عليه وسلم:

أيها الإخوة انظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يبذل الدنيا لإنقاذ العبد من الهلكة، روى مسلم عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتَتَلُوا بِحُنَيْنٍ، فَنَصَرَ اللَّهُ دِينَهُ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِنْ النَّعَمِ ثُمَّ مِائَةً ثُمَّ مِائَةً. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ.

لماذا لا تنقذ ولدك من العقوق؟

ما أنت قائل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؟

أيها الإخوة: هناك من يقول: أنا حرٌّ في مالي أتصرَّف فيه كيفما أشاء، وهناك من يقول: هذا الأمر في الحديث الشريف (سوُّوا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضِّلاً أحداً لفضلت النساء) رواه البيهقي. ليس للوجوب بل للندب.

أقول لصاحب هذا القول: ما أنت قائل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة عندما تأتيه وتطلب منه الشفاعة؟ تقول له: يا سيدي يا رسول الله، اشفع لي عند ربك، فإذا سألك وقال لك: قلتُ لك: (سوُّوا بين أولادكم في العطية). فما جوابك له؟

هل تقول له: يا سيدي أمرك هذا ليس للوجوب بل هو للندب؟!

أخي الكريم، أراك تقول لواحد من أهل الدنيا إن كانت لك عنده حاجة: رغباتك عندي أوامر، فلماذا لا تقول هذا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بحاجة إليه في الآخرة؟

حادثة أليمة:

أيها الإخوة: سألني سائل وقال لي: خرجت في تشييع جنازة أنا وبعض إخوتي، وعندما مررنا على قبر والدي، تفل أخي على قبر والدي، فماذا أفعل مع أخي؟

سألتُه: ما السبب في تفل أخيك على قبر والدك؟ فأجاب: لأن والدي حرمه من الميراث.

ما رأيكم أيها الإخوة في هذا؟ أيسرُّكم هذا؟ لا والله.

خاتمة أسأل الله تعالى حسنها:

أيها الإخوة: أرجع إلى ما بدأت به حديثي، كونوا حريصين على سلامة قلوب أبنائكم حتى نكون جميعاً في دار البقاء من أهل الجنة، كونوا عوناً لأبنائكم على برِّكم وطاعتكم لتحقِّقوا لهم السعادة، وذلك من خلال المساواة بينهم، وبدون تفريق بين ذكر وأنثى.

فرِّقوا أيها الإخوة بين العطيَّة والميراث، فالعطية تكونُ على قيد الحياة، وهذه يجب أن يكون فيها التساوي بين الرجال والنساء، والميراث يكون بعد الموت كلٌّ يأخذ حسب نصيبه الشرعي الذي ذكره الله تعالى في القرآن العظيم.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً بررة بآبائنا وأمهاتنا أحياءً وميتين، ويجعل أولادنا بررة بنا أحياءً وميِّتين، وأن يرزقنا جميعاً سلامة القلب من الحقد والحسد والغلِّ والضغينة ومن كل وصف يبعدنا عنه. آمين.

وأصلي وأسلم على أشرف خلق الله وأسعدهم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

 2009-02-04
 1764
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3547 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3547
21-01-2018 4311 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4311
14-01-2018 3123 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3123
08-01-2018 3479 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3479
31-12-2017 3613 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3613
24-12-2017 3213 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3213

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5547
المقالات 3024
المكتبة الصوتية 4405
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 407852165
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :