49ـ نحو أسرة مسلمة: من أسباب عذاب القبر الغيبة

49ـ نحو أسرة مسلمة: من أسباب عذاب القبر الغيبة

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

مقدمة، وخلاصة الدرس الماضي:

فقد ذكرنا في الدرس الماضي أن من أسباب عذاب القبر النميمة، وهي نقل الكلام من المتحدث إلى المتحدَّث عنه بقصد الفتنة وإشعال نار العداوة بينهما، وما أكثر النميمة في صفوف المسلمين رجالاً ونساء، وكم من بيوت هدمت بسبب النميمة، وكم زوجة طلقت بسببها، وكم فرقت النميمة بين الوالد وولده، وبين البنت وأمها، وبين الإخوة والأخوات، وبين الجيران، وبين الأحبة، وكم أشعلت نار فتن بين المسلمين، وربما أدت إلى ارتكاب جرائم القتل والعياذ بالله تعالى، كلمة لا يلقى لها بالاً، يريد أن يتظاهر بأنه محب للمحكي عنه، ولكنه في الحقيقة هو العدو اللدود لنفسه أولاً ولصاحبه ثانياً، ولذلك كانت عاقبة النمَّام أنه من المعذَّبين في قبره، وهو من شرار عباد الله عز وجل بشهادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن غنم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ). وفي رواية عند الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ، الْعَيْبَ).

سل نفسك يا أخي هل أنت ممن يفرِّق بين الأحبة بالنميمة، فإذا كنت كذلك فأسرع إلى التوبة وأصلح ما أفسدت حتى لا تكون من المفلسين يوم القيامة.

الغيبة من أسباب عذاب القبر:

ومن أسباب عذاب القبر الغيبة، كما روى الطبراني، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على قبر يعذب صاحبه فقال: (إن هذا كان يأكل لحوم الناس) ـ يعني بالغيبة ـ ثم دعا بجريدة رطبة، فوضعها على قبره، وقال: (لعله أن يخفف عنه ما دامت هذه رطبة).

وروى الأمام أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ).

وهذا المشهد الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم إما هو من عالم البرزخ، وإما هو من عالم المثال، حيث مثل له صلى الله عليه وسلم مآل المغتابين.

حكم الغيبة:

لذلك أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على أن الغيبة كبيرة من الكبائر، وما قال أحد بجوازها بشكل عام، وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيم}. ولقوله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) رواه مسلم.

والسؤال: من منا لا يعرف هذه الآية الكريمة والحديث الشريف؟ الكل يحفظ والكل يعلم، ولكن من الذي يعمل بما علم؟

تصوَّر نفسك وأنت تأكل لحم إنسان ميت صار جيفة، هل تطيق هذا؟

ومن رحمة الله فينا أن علَّمنا عن طريق طائر دفن بعضنا البعض {فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين} تصوَّر هذا الإنسان وقد مات وتفسَّخ جسده وأنتنت رائحته، كيف تتقدم من هذا الإنسان لتأكل من لحمه؟

هكذا الغيبة، فمن الذي يحب أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟ والحقيقة لا يشعر بحقيقة الغيبة إلا صاحب الإيمان الكامل، لأنك ترى الواحد منا إذا جلس في مجلس يقع فيه الناس بالغيبة تراه ضاحكاً مسروراً ووجهه متهلِّل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اجتناب الكبيرة يكفِّر الصغيرة:

نعم الغيبة كبيرة من الكبائر، وباجتنابها يكفِّر الله تعالى الصغائر، وذلك لقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا}، ومن كان مُصِرّاً ـ والعياذ بالله تعالى ـ على الكبيرة فهو على الصغيرة مُصِرٌّ من باب أولى وأولى، وهذا الصنف من الناس عليه أن يعلم بأنه مؤاخذ بالصغائر والكبائر، قال تعالى: {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون}، والسيئة تُمحى باجتناب الكبائر، فلماذا يؤاخذ عليها العبد هنا؟ لأن صاحبها مصرٌّ على الكبائر وعلى الصغائر، وبالإصرار على الصغائر تنقلب إلى كبائر والعياذ بالله تعالى.

لذلك ما ينبغي أن يغترَّ أحدنا بأن الصغائر تُمحى ببعض الطاعات التي يؤديها أحدنا ويقول: أنا أتابع بين العُمَر، لأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، وكذلك الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، نعم هذا صحيح إذا اجتنبت الكبائر. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ) رواه البخاري ومسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) رواه مسلم.

أما أن يكون العبد مصراً على الكبائر ثم يطمع بمغفرة الصغائر فهذا متوهم، لأنه لو كان صادقاً بطلب مغفرة الصغائر لكان حريصاً أشد الحرص على ترك الكبائر.

تعريف الغيبة:

وأفضل تعريف للغيبة ماجاءنا عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروي الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ)؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ) قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: (إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ).

وهنا يجب أن أشير إلى وجوب الالتزام بالأدب إذا جالسنا العلماء، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم يعلموننا هذا الأدب، بأنه إذا سئلنا من قبل العلماء عن مسألة ولو كنا نعلم الجواب أن نتبرأ من علمنا لنسمع منهم ما داموا أعلم منا، وهذا شأن العاقل حيث هو حريص على زيادة علمه، ألم يقل مولانا عز وجل: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.

نحن اليوم على العكس من ذلك تماماً، لو سئل عالم من العلماء عن مسألة ونحن جلوس معه ترانا نسرع في الجواب قبله، ولا أحد يسكتنا.

أما إذا أردنا أن نتكلم بعلم من العلوم الأخرى في حضرة العلماء المختصين لأسكتنا الجميع، وقالوا: هذا ليس اختصاصكم.

يا سبحان الله صارت الجرأة في تصدير الأحكام الشرعية عند الكثير إلا من رحم ربي عز وجل، وربنا عز وجل يقول: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون}، فإذا سئل أهل الذكر وأنت في حضرتهم فالتزم الأدب، واطلب من الله تعالى أن يزيدك علماً نافعاً.

نرجع إلى الحديث الشريف، قال صلى الله عليه وسلم: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ)؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ) قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: (إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ).

ترى الواحد منا عندما يقع في الغيبة فيذكر أخاه بما يكره، وتنهاه عن ذلك، يقول لك: أقسم بالله العظيم أنا لا أفتري عليه، أنا أقول الحق، قل له: نعم أنت تقول الحق، وهذه هي عين الغيبة المنهي عنها.

أما إذا لم يكن قولك حقاً فهو أشد من الغيبة، إنه البهتان الذي قال فيه مولانا عز وجل: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم * وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}.

فالبهتان: هو الكذب والافتراء وذكر مساوئ للإنسان هي ليست فيه.

ويؤكذ هذا ما جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ)؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ)، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: (أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ)، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لا يَسْكُتُ.

وما أكثر قول الزور وشهادة الزور والعياذ بالله تعالى؟ هل يعلم المفتري على الناس ماذا يفعل بقلوب الناس إذا افترى عليهم؟ احذر يا أخي قول الزور وشهادة الزور لأنها تكسر قلب المفترى عليه، ويشكو همه وحزنه إلى الله تعالى، انظروا إلى السيدة مريم رضي الله عنها، عندما شعرت بأن قول الزور سيلحقها عندما حملت بسيدنا عيسى عليه السلام: {قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}، لأن قول الزور وشهادة الزور على البريء صعبة وصعبة جداً، لأنه يلحق الضرر به وبأصوله وفروعه وحواشيه، وهذا يتجلى في قصة السيدة مريم عليها السلام: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} ذكَّروها بأخيها وبأبيها وأمها.

لذلك أقول: يا أخي إذا سولت لك نفسك الوقوع في المعصية فتذكَّرْ بأن معصيتك تضر بك وبأصولك وفروعك وحواشيك، وإن كنت ولا بد عاصياً فلتكن معصيتك سراً.

فقول الزور وشهادة الزور تفلق كبد الإنسان، كما قالت أمنا المبرأة الطاهرة السيدة عائشة رضي الله عنها عندما افترى عليها عدو الله: (حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي) رواه البخاري ومسلم.

الغيبة ليست من صفات المؤمنين:

لذلك يجب علينا أن نعلم بأن الغيبة ليست من صفات المؤمنين، بل هي من صفات المنافقين، كيف يقع الإنسان المؤمن في الغيبة وهو يقرأ قول الله تعالى: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيم}؟

وقد جاء في سنن أبي داود عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الإِيمَانُ قَلْبَهُ: لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ).

احذر فضيحة الله لك:

إن اتباع العورات وتلقط العثرات للبرآء جريمة وأيُّ جريمة، ومن وقع في ذلك فقد عرَّض نفسه لسخط الله تعالى، وعرض نفسه لفضيحة الله عز وجل له، وإذا أردت أن تعرف هذا فتدبَّر قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف عليه السلام: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُون * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين * وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيم * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِين * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِين * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِين} هي التي غلَّقت الأبواب، وهي لن تتحدث عن نفسها، فضلاً عن سيدنا يوسف عليه السلام فلن يتحدث عنها، ولكن مع هذا في اليوم الثاني: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِين}.

فإذا أرد الله تعالى أن يفضح العبد يفضحه ولو كان في جوف رحله، لأن الله على كل شيء قدير.

لا تحكِّم بحسناتك من أبغضت:

وأخيراً أقول: لا تُحَكِّم من أبغضت في حسناتك يوم القيامة، لأن الجزاء يوم القيامة يكون بنقل حسنات المغتاب إلى من اغتابه عوضاً عما استباحه من عرضه، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات من اغتابه.

روي أن رجلاً قال للحسن البصري: إنك تغتابني، فقال: ما بلغ قدرك عندي أن أُحَكِّمك في حسناتي.

ولعل الموضوع له صلة في الدرس القادم إن أحيانا الله عز وجل، ونسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لأن نحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وأن نذكر الموت والبلى، اللهمَّ وفِّقنا لأن نكفَّ ألسنتنا عما لا يعنينا برحمتك يا أرحم الراحمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

 2009-06-10
 2008
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3464 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3464
21-01-2018 4226 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4226
14-01-2018 3087 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3087
08-01-2018 3415 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3415
31-12-2017 3492 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3492
24-12-2017 3169 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3169

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5535
المقالات 3009
المكتبة الصوتية 4364
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406886031
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :