796ـ خطبة الجمعة: كن من خير الناس

796ـ خطبة الجمعة: كن من خير الناس

796ـ خطبة الجمعة: كن من خير الناس

مقدمة الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: فُرْصَةُ الحَيَاةِ فُرْصَةٌ طَيِّبَةٌ للتَّقَرُّبِ إلى اللهِ تعالى، انْطَلَقَ مِنْ خِلَالِهَا مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، مِنْ مُنْطَلَقِ: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾. مِنْ مُنْطَلَقِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. مِنْ مُنْطَلَقِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.

انْطَلَقَ مِنْ خِلَالِهَا لِيَكُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، لِأَنَّهُ جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».

فَالإِحْسَانُ إلى النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ لِاسْتِجْلَابِ نِعَمِ اللهِ تعالى، وَدَفْعِ نِقَمِهِ وَسُخْطِهِ، فَمَا اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُ اللهِ تعالى، وَاسْتُدْفِعَتْ نِقْمَتُهُ بِمِثْلِ الإِحْسَانِ إلى خَلْقِ اللهِ تعالى.

مِنَ الإِحْسَانِ للنَّفْسِ الصَّدَقَةُ:

يَا عِبَادَ اللهِ: مِنَ النَّفْعِ للنَّفْسِ الصَّدَقَةُ، انْفَعْ نَفْسَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بِالصَّدَقَةِ، وَاسْتَحْضِرِ الحَدِيثَ الشَّريفَ الذي رواه الإمام مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ، يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟».

بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ يَزِيدُ مَالُكَ، روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ».

تِلْكَ الصَّدَقَةُ تَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، روى الإمام أحمد عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ».

تِلْكَ الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا، وَتَدْفَعُ عَنْكَ مِيتَةَ السُّوءِ، وَتُطْفِئُ حَرَّ قَبْرِكَ، روى الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ».

وفي رواية الطَّبَرَانِيِّ في الكَبِيرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ الْقُبُورِ، وَإِنَّمَا يَسْتَظِلُّ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ».

الصَّدَقَةُ قَرْضٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللهُ تعالى يُضَاعِفُ لَكَ العَطَاءَ.

روى البيهقي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ اللهَ لَيُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟

قَالَ: «نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ».

قَالَ: أَرِنِي يَدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: فَتَنَاوَلَ يَدَهُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي.

قَالَ: وَحَائِطُهُ فِيهِ سِتَّمِائَةِ نَخْلَةٍ، وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ وَعِيَالُها.

قَالَ: فَجَاءَهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ فَنَادَاهَا: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ.

فَقَالَتْ: لَبَّيْكَ.

فَقَالَ: اخْرُجِي فَقَدْ أَقْرَضْتُهُ رَبِّي.

وفي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ» فَأَبَى.

فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي؛ فَفَعَلَ.

فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي.

قَالَ: «فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا».

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «كَمْ مِنْ عَذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ» قَالَهَا مِرَارًا.

قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ.

فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ ـ أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ـ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

يَا عِبَادَ اللهِ: أَحْسِنُوا لِأَنْفُسِكُمْ، وَخَاصَّةً في هَذِهِ الآوِنَةِ، فَهِيَ فُرْصَةٌ طَيِّبَةٌ لِتُجَّارِ الآخِرَةِ، فُرْصَةٌ طَيِّبَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَفِّسَ اللهُ كَرْبَهُ دُنْيَا وَأُخْرَى، روى الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللهِ؟

قَالَ: آللهِ.

قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ».

وَفُرْصَةٌ طَيِّبَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ دَعْوَتَهُ، روى الإمامُ أحمدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ، وَأَنْ تُكْشَفَ كُرْبَتُهُ، فَلْيُفَرِّجْ عَنْ مُعْسِرٍ».

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاغْتِنَامِ أَنْفَاسِ أَعْمَارِنَا بِطَاعَتِكَ وَالقُرْبِ مِنْكَ. آمين.

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

**    **    **

تاريخ الخطبة:

الجمعة: 4/ جمادى الآخرة /1443هـ، الموافق: 7/ كانون الثاني / 2022م

 2022-01-07
 1662
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  خطب الجمعة

21-01-2022 75 مشاهدة
798ـ خطبة الجمعة: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا»

المُسْلِمُ الحَقُّ المُسْتَنِيرُ بِهَدْيِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَالقَائِمُ عَلَى شُؤُونِ نَفْسِهِ، وَالحَرِيصُ عَلَيْهَا وَعَلَى سَلَامَتِهَا دُنْيَا وَأُخْرَى بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ، ... المزيد

 21-01-2022
 
 75
14-01-2022 552 مشاهدة
797ـ خطبة الجمعة: الإيثار خلق الحبيب صلى الله عليه وسلم

يَا مَنْ آمَنْتُمْ وَأَيْقَنْتُمْ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾. وَبِقَوْلِهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. وَآمَنْتُمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ... المزيد

 14-01-2022
 
 552
31-12-2021 1695 مشاهدة
795ـ خطبة الجمعة: ماذا حصل لنا يا أيتها الأمة المصطفاة؟

نَحْنُ أُمَّةٌ اصْطَفَانَا اللهُ تعالى وَاخْتَارَنَا لِنَكُونَ مِنْ أُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ حَظُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّبِيِّينَ، ... المزيد

 31-12-2021
 
 1695
24-12-2021 615 مشاهدة
794ـ خطبة الجمعة: حق الزوج على زوجته

الحُقُوقُ الزَّوْجِيَّةُ أَمْرٌ مِنْ صُلْبِ الإِسْلَامِ، فَكَمَا للزَّوْجَةِ حُقُوقٌ عَلَى زَوْجِهَا، عَلَيْهَا وَاجِبَاتٌ نَحْوَ زَوْجِهَا، وَكُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ رَاجِعٌ إلى اللهِ تعالى لِيُسْأَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمَّا كُلِّفَ بِهِ ... المزيد

 24-12-2021
 
 615
17-12-2021 818 مشاهدة
793ـ خطبة الجمعة: إن لزوجك عليك حقًّا

لَنْ يَنْعَمَ بِالسَّعَادَةِ مَنْ عَاشَ خَارِجَ دَائِرَةِ الإِسْلَامِ، وَإِنْ بَدَا مُتَظَاهِرًا بِبَعْضِ شَعَائِرِهِ، لَنْ يَعِيشَ الإِنْسَانُ عَيْشَ السُّعَدَاءِ إِلَّا إِذَا عَرَفَ وَاجِبَهُ أَوَّلًا قَبْلَ مَعْرِفَةِ حَقِّهِ. لَقَدْ شَكَا ... المزيد

 17-12-2021
 
 818
10-12-2021 1057 مشاهدة
792ـ خطبة الجمعة: سبب اختلال العشرة الزوجية

كَلِمَةٌ مِنَ الكَلِمَاتِ تَكُونُ مِعْوَلًا هَدَّامًا يُهْدَمُ بِهِ صَرْحُ أُسَرٍ وَبُيُوتَاتِ، كَلِمَةٌ تَنْقُلُ صَاحِبَهَا مِنْ سَعَادَةٍ وَهَنَاءٍ إلى مِحْنَةٍ وَشَقَاءٍ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ كَمْ أَبْكَتْ عُيُونًا، وَأَجْهَشَتْ صُدُورًا، ... المزيد

 10-12-2021
 
 1057

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5403
المقالات 2897
المكتبة الصوتية 4220
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 403843554
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :