55ـ نحو أسرة مسلمة: الفوائد التي نأخذها من يوم الطائف

55ـ نحو أسرة مسلمة: الفوائد التي نأخذها من يوم الطائف

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فيا عباد الله:

خلاصة الدرس الماضي:

فقد انتهينا في الدرس الماضي إلى قاعدة تقول: من وراء المِنَح مِحَن، ومن وراء المِحَن مِنَح، والإنسان يتقلَّب بين المِحَن والمِنَح حتى يلقى الله عز وجل.

والمطلوب منه إذا كان في المحن أن يكون صابراً، وإذا كان في المنح أن يكون شاكراً، وإذا ما تحقق العبد بالصبر والشكر فقد كمل إيمانه.

وعلى الإنسان أن يعلم بأن المنح من ورائها محن فعليه أن لا يركن إلى المنح، وبأن المحن من ورائها منح فعليه أن لا ييأس من ذلك.

الغاية من التذكير بأيام الله:

والذي يعين على الصبر والشكر في المحن والمنح هو أن يتذكر الإنسان أيام الله تعالى التي سبقت، فأيام الله متنوعة منها أيام محن ومنها أيام منح، قال تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور}.

فإذا كنت في محنة فاذكر أيام الله تعالى لتتحلى بالصبر عندما تقرأ سيرة الصابرين، ومن هذه الأيام يوم أحد، كما قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِين * هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِين * وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.

وإذا كنت في منحة فتذكر أيام الله لتتحلى بالشكر عندما تقرأ سيرة الشاكرين، ومن هذه الأيام يوم بدر، كما قال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}.

فأيام الله في المحن كثيرة وأيامه في المنح كثيرة، والله تعالى أمرنا أن نتذكر تلك الأيام للعظة والعبرة، ولنزيد الصبر صبراً والشكر شكراً.

مشروعية الاحتفال بأيام المنح:

وهذا يفيدنا مشروعية الاحتفال بأيام المنح لأنها تذكرنا بأيام الله تعالى، وأنا أتعجب ممن ينكر على المسلمين هذه الاحتفالات بأيام المنح التي تدفع الأمة إلى شكر الله تعالى، متأسين بذلك بمن سبقهم من السلف الصالح.

فكثيراً ما نسمع عندما تأتي مناسبة المولد أو مناسبة الإسراء والمعراج فيشدد الكثير على الأمة على أن الاحتفال بهذه الأيام لا يجوز شرعاً، لأنه بدعة في الدين، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، مع العلم بأنا ما سمعنا من أحد من علماء هذه الأمة من يقول بأن الاحتفال بهذه الأيام فرض أو واجب أو سنة، ولم ينكروا على من لم يحتفل، لأن هذا من الأمور المباحة يؤجر الإنسان عليها من خلال النية.

فما دامت هذه الأيام تجدِّد فينا الإيمان وتشحذ الهمم وتزيد الشاكر شكراً والصابر صبراً فنعمت ذكريات هذه الأيام، لأن الله تعالى قال: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور}. الله يقول بنص القرآن هذا، والغير ينكر على المسلمين إذا جاءت ذكريات بعض هذه الأيام واحتفلوا بها ليذكروا نعمة الله عليهم في هذه الأيام فيقولون لهم: هذه بدعة محرمة في دين الله عز وجل، وأصحابها في ضلال. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الآيات التي نأخذها من يوم الطائف:

ويوم الطائف من أيام الله عز وجل الذي يجب على الأمة أن تتذكره لتتحلى بخلق الصبر، كما كان على ذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من أشدِّ الأيام التي مرت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ) رواه البخاري.

فهو يوم من أيام الله عز وجل يجب علينا أن نتذكره لنأخذ منه الآيات في صبرنا عند الشدائد.

الفائدة الأولى:

أن نتعلم من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان صابراً، وماذا صنع عندما اشتد عليه البلاء، فقد التجأ إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء، وجسَّد قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين}. تجسيداً عملياً.

عندما انصرف عن أهل الطائف أتى إلى ظل شجرة فصلى ركعتين ودعا الله عز وجل الدعاء المعروف المشهور.

فهذا الأمر من طبيعة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، كما جاء في الحديث الذي رواه البيهقي عن حذيفة رضي الله عنها قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حَزَبَهُ أمر صلى). فهي أم العبادات، وهي طريق الصلة بالله تعالى ومناجاته، وهي مفزع الخائفين، وسبيل تفريج كرب المكروبين، واطمئنان نفوس المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: (أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلالُ) رواه الطبراني. وقال صلى الله عليه وسلم: (وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ) رواه أحمد.

فأين نحن من هذه الفائدة العظيمة التي أرشدنا إليها ربنا في القرآن العظيم، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته العطرة؟

أين نحن من صلاة الحاجة إذا نزلت بساحتنا الكروب، أن يصلي أحدنا ركعتين ثم يدعو بهذا الدعاء: (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلا غَفَرْتَهُ، وَلا هَمًّا إِلا فَرَّجْتَهُ، وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) رواه الترمذي.

أين نحن من صلاة الحاجة التي علَّمها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعمى عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ، فَقَالَ: ادْعُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ) رواه أحمد.

يوم الطائف أعطانا هذه الفائدة: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}. استعينوا على نوائب الدهر بالصلاة في معناها اللغوي وفي معناها الشرعي.

معناها اللغوي: هي الدعاء، أكثروا من الدعاء في الشدائد والمحن وخاصة دعاء المضطر، لأن الله تعالى قال فيه: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون}. فدعاء المضطر مستجاب ولو كان من عبد كافر، لأن الله تعالى رب الجميع، وهذا أشار إليه ربنا في القرآن العظيم: {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا}.

ومعناها الشرعي: هي أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير ومنتهاة بالتسليم، فأكثر من صلاة الحاجة عند الشدائد، وتحقق بالآية الكريمة: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين}. وتأسَّ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يفزع إلى الصلاة إذا حزبه أمر.

الفائدة الثانية:

في ساعات المحن والشدائد التجئ إلى الله تعالى وأنت تبحث عن سر هذا الابتلاء، هل هو من الله تعالى لا قدَّر الله، أم لحكمة أرادها الله عز وجل؟

وهذا ما أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من خلال كلماته التي قالها في دعائه صلى الله عليه وسلم والتي من جملتها: (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي). الخوف من أن يكون الابتلاء بسبب سخط من الله تعالى، لذلك استعاذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تحل علي غضبك، أو تنزل علي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

عرف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الدعاء بأن ما جرى ليس من سخط الله عز وجل عليه ـ وحاشاه من ذلك ـ بل لحكمة أرادها الله عز وجل، وذلك عندما جاءه سيدنا جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه البخاري.

كيف يعرف العبد الابتلاء من سخط أم لحكمة؟

قد يسأل أحدنا: النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن الابتلاء من الله تعالى ليس بسبب سخط عليه، لأن الله تعالى أرسل إليه سيدنا جبريل ومعه ملك الجبال عليهما السلام، وهذا عنوان الرضا، ولكن كيف يعرف أحدنا أن الابتلاء بسبب السخط أم لحكمة؟

أقول والله تعالى أعلم: معرفة ذلك من خلال سلوك العبد أثناء المحنة، هل المحنة أوقفته على باب مولاه متضرعاً باكياً خاشعاً، أم انصرف عن باب مولاه معترضاً ساخطاً، فإذا انصرف عن باب مولاه ساخطاً معترضاً فهذا دليل السخط، أما من دفعته المحن لباب مولاه متضرعاً خاشعاً متوسلاً فابتلاؤه لحكمة يريدها الله عز وجل، والله تعالى يقول: { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}.

وأقول لهذا الأخ المبتلى أبشر بالمنح بعد المحن لأن الله تعالى يقول: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون}. فما دمت واقفاً على باب مولاك أثناء المحن، وقلبك راض مطمئن، فاعلم أن هذه المحن لك لا عليك، وذلك لقول الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون}.

لأنك لو اطلعت على السبب لزال عنك العجب، ولعرفت قول الله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}. وقصة الخضر مع سيدنا موسى عليهما السلام منا ليست ببعيدة، تضايق سيدنا موسى أولاً ولكن عندما عرف السبب زال عنه العجب، وعلم بأن خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار لمصلحة أصحابها.

الفائدة الثالثة:

أما الفائدة الثالثة التي نجنيها من يوم الطائف فهي سلامة قلب النبي صلى الله عليه وسلم على من أساء إليه، وخاصة بعد أن عرف بأن الذي يجري لحكمة يريدها الله تعالى وليس بسبب سخط.

نجني هذه الفائدة من خلال قول ملك الجبال لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا).

انظر إلى سلامة صدره صلى الله عليه وسلم نحو من أساء إليه، وخاصة عندما علم بأن شدة الابتلاء ليست من سخط الله تعالى، فهذا الابتلاء له ثمار عظيمة في الدنيا والآخرة لمن صبر عليها، لذلك اعتذر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سيدنا جبريل وملك الجبال بقوله صلى الله عليه وسلم: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا).

فإن يئس من إيمانهم ما يئس أن يُخرج الله تعالى من أصلابهم من يوحِّد الله تعالى، لأن ربنا عز وجل على كل شيء قدير، فهو القائل: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُون}. وحقاً لقد أخرج الله عز وجل العبد المؤمن من العبد الكافر بل من فرعون هذه الأمة، فقد أخرج الله تعالى سيدنا عكرمة رضي الله عنه من أبيه الكافر أبي جهل.

فالفائدة العظمى من يوم الطائف التي يجب على المسلم أن يتحلى بها هي سلامة الصدر نحو خلق الله عز وجل، لقوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم}. ولقوله صلى الله عليه وسلم: (يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ فَافْعَلْ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) رواه الترمذي.

يوم الإسراء والمعراج:

من أيام الله تعالى يوم الإسراء والمعراج، وهو يوم منحة من الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجب على الأمة أن تذكره وذلك لقول الله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور}. فهذا اليوم يعلمنا كيف يكون الشكر لله تعالى؟

هل الإسراء كان بالروح أم بالروح والجسد؟

بداية أقول: كثير من الناس من يقف أمام حدث الإسراء والمعراج موقف الحائر، ويتساءل: هل الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معاً أم بالروح فقط؟

الجواب أيها الإخوة نأخذه من قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}. من الذي أسرى؟ هل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرى بذاته أم أسرى به الله تعالى؟

الجواب: الله تعالى هو الذي أسرى بحبيبه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهل هناك استغراب في ذلك؟

القدرة دائماً تنسب إلى القادر، فهل قدرة الله تعالى مطلقة أم مقيدة؟

الله تعالى يقول: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون}. ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}. فأيُّ غرابة أن يكون الإسراء والمعراج روحاً وجسداً؟ هذا أولاً.

ثانياً: الله تعالى هو الذي أنزل سيدنا آدم وحواء من عالم السماء إلى الأرض، قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً}. وهذا بقدرته، فهو جلَّت قدرته رفع الحبيب صلى الله عليه وسلم من عالم الأرض إلى عالم السماء.

ثالثاً: نحن على يقين بأن سيدنا عيسى عليه السلام رفعه الله تعالى روحاً وجسداً من عالم الأرض إلى عالم السماء، وما زال حياً وسينزل قبل قيام الساعة إلى الأرض على المنارة البيضاء بدمشق، فالله تعالى قال في حقه:{إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}. فالذي رفعه روحاً وجسداً، هو الذي أسرى بحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السموات العلى، فأي غرابة في ذلك؟

رابعاً: الأكثر من هذا، عبدٌ من عباد الله تعالى تابعٌ لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والنبي ليس من أولي العزم من الرسل، هذا العبد التابع آتاه الله تعالى علماً من الكتاب، أتى بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين بأقل من طرفة عين، فهل من غرابة إذا أسرى الله تعالى بسيد أولي العزم من الرسل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج إلى السموات العلى في جنح من الليل؟

تدبَّر هذا من خلال قوله تعالى حكاية على لسان سيدنا سليمان عليه السلام حين خاطب جنده: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِين * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِين * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.

فإذا كانت هذه قدرة الموهوب فكيف بقدرة الواهب الأعلى؟

خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:

أيها الإخوة لعلنا أن نأتي في الدرس القادم على بعض الفوائد والعبر من حدث الإسراء والمعراج، بعد أن انتفعنا من ذكرى يوم الطائف ببعض الفوائد أرجو الله عز وجل أن تكون حجة لنا لا علينا يوم القيامة.

آمين آمين آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

 2009-07-22
 2213
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3464 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3464
21-01-2018 4226 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4226
14-01-2018 3087 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3087
08-01-2018 3415 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3415
31-12-2017 3492 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3492
24-12-2017 3169 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3169

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5535
المقالات 3008
المكتبة الصوتية 4364
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406885337
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :