70ـ نحو أسرة مسلمة: رعاية الإسلام للمرأة في أطوارها

70ـ نحو أسرة مسلمة: رعاية الإسلام للمرأة في أطوارها

 

خلاصة الدرس الماضي:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد انتهينا في الدرس الماضي إلى أنه لا يجوز للمرأة المؤمنة أن تُخدَع بدعايات الغرب بأنه يريد إنصافها أكثر من الإسلام، لأنه في نظره يجب أن يحاكَم الإسلام لأنه ظلم المرأة.

لا يجوز للمرأة المسلمة أن تُخدَع بذلك، لأنها لو نظرت إلى بداية نشأة الفتاة في الغرب إلى أن تصل إلى سنِّ الكهولة والشيخوخة لَتَفَلَتِ المرأة على الغرب جملة وتفصيلاً، وأقبلت على الله تعالى شاكرة له بأن هداها للإسلام الذي عرف قَدْر المرأة وقيمتها منذ اللحظة الأولى عندما جاء الوحي إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف كان موقفه من السيدة خديجة رضي الله عنها، وكيف حفظ الودَّ لها بعد موتها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (والله مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا).

وكان من وفائه لها ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنت)؟ قالت: أنا جَثَّامة المُزنية، فقال: (بل أنت حَسَّانة المُزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا)؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تُقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: (إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان) رواه الحاكم.

رعاية الإسلام للمرأة في أطوراها المختلفة:

أيها الإخوة الكرام: وأتابع معكم الحديث اليوم حول هذا الموضوع، وقبل أن أبدأ كيف تكون الأم متميِّزة عن سائر الأمهات، أقول: يجب على المرأة المسلمة أن تعلم مدى رعاية الإسلام لها حتى لا تخدع بكلام أعداء هذا الدين.

أولاً: رعاية الإسلام لكِ وأنتِ طفلة:

لقد توجَّهت رعاية الإسلام لك منذ فجر الإسلام الأول، فكانت رعايته لك وأنت طفلة صغيرة:

1ـ روى البخاري في صحيحه عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ). جعلك الإسلام ستراً من النار لمن أحسن إليك بإذن الله تعالى. هل يعرف الغرب هذا؟ وهل تعرف المرأة الغربية هذا؟

2ـ وفي مسند الإمام أحمد مسند عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يَكُونُ لأَحَدٍ ثَلاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَيَتَّقِي اللَّهَ فِيهِنَّ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ). جعلكِ سبباً موصلاً إلى دخول الجنة بإذن الله تعالى. هل يعرف الغرب هذا؟ وهل تعرف المرأة الغربية هذا؟

3ـ وجاء في سنن أبي داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا ـ قَالَ: يَعْنِي الذُّكُورَـ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ). أيُّ إكرام أعظم من هذا الإكرام الذي تحلم المرأة الغربية أن تنال شيئاً منه. لقد حرَّم الإسلام وأد البنات وقتلهنَّ بغير حق، والغرب اليوم ينادي بأنه سيحاكم الإسلام الذي ظلم المرأة، فهلَّا حاكم نفسه على ارتكاب الجرائم التي يرتكبها في فلسطين والعراق وفي مشارق الأرض ومغاربها حيث يدمِّرُ كل شيء، ويُقَتِّل الأطفال والأبرياء بغير حق.

نعم هذا هو الغرب الذي يريد أن يحاكم الإسلام لأنه ظلم المرأة، فهلاَّ صحت المرأة من غفلتها وعرفت حقيقة الغرب الماكر؟

4ـ وروى الطبراني في الحديث عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تَكْرَهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ). فالمرأة منذ طفولتها في ديننا هي الأنيسة الغالية، وهذا ما لم تعرفه المرأة الغربية أبداً.

5ـ وجاء في شعب الإيمان عن أنس رضي الله عنه، قال: (لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي، وكان رجل جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه ولد له فأخذه وأجلسه في حجره، وجاءت ابنة له فأخذها فأجلسها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلاَّ عدلت بينهما). الإسلام يراقب المجتمع ويحذِّره من الجور والظلم حتى لا يقع عليكِ.

6ـ وروى ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِبَعْضِ الْمَدِينَةِ فَإِذَا هُوَ بِجَوَارٍ يَضْرِبْنَ بِدُفِّهِنَّ وَيَتَغَنَّيْنَ وَيَقُلْنَ: نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَعْلَمُ اللَّهُ إِنِّي لأُحِبُّكُنَّ).

هل الغرب يعرف هذا التوجيه؟ من هو الذي يجب أن يحاسب؟ أليس من الواجب أن يحاسب الغرب الذي ظلم المرأة أيَّما ظلم، الغرب أراد المرأة أن تكون دُمية بين يديه في أيام شبابها وصباها لقضاء شهوته، ثم يرميها كما يرمي أحدهم أكياس القمامة في الحاوية. أتريد المرأة المسلمة هذا؟

ثانياً: رعاية الإسلام لكِ وأنتِ زوجة:

أما رعاية الإسلام لك وأنت زوجة، فحدِّثي عنها بدون حرج:

1ـ روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا).

2ـ روى الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ).

3ـ روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ). أعظم نفقةٍ تتقرَّب فيها إلى الله تعالى هي التي تنفقها على أهلك، هذا عطاء الإسلام للزوجة من حيث النفقة، أما المرأة الغربية فيجب أن تنفق على نفسها من مالها ولو كانت متزوجة، فهل تريد المرأة المسلمة هذا من زوجها كما هو شأن الزوجة الغربية؟

4ـ روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقَّاص رضي اللَّه عنه في حدِيثِهِ الطَّويلِ أَنَّ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال له: (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجهَ اللَّه إلاَّ أُجِرْتَ بها حَتَّى ما تَجْعلُ في في امرأَتِكَ). هل تعرف المرأة الغربية هذا الحنان من زوجها؟ النفقة هناك على الخليلة والصديقة من أجل ارتكاب الفاحشة معها، أما مع الزوجة فإنه يجب عليها أن تنفق على نفسها.

هل تشعر المرأة الغربية بالحنان من زوجها إذا تزوَّجت، وخاصة إذا تقدَّم بها العمر ودخلت سنة الكهولة أو الشيخوخة؟ سلوا الغرب، سلوا من يزور الغرب، ولا تُخدعوا بما يعرض على شاشات التلفاز وأجهزة الإعلام الخدَّاعة.

ثالثاً: رعاية الإسلام لكِ وأنتِ أمٌّ:

أما عن رعاية الإسلام لك وأنت أم فحدِّثي بدون حرج.

1ـ حذِّر أبناءك من العقوق أيما تحذير:

روى البخاري عن أبي بكرةَ نُفيْع بنِ الحارثِ رضي اللَّه عنه قال: قال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: (أَلا أُنَبِّئُكمْ بِأكْبَرِ الْكَبائِرِ؟ ثلاثاً، قُلنا: بلَى يا رسولَ اللَّه قال: الإِشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الْوالِديْن، وكان مُتَّكِئاً فَجلَسَ، فقال: أَلا وقوْلُ الزُّورِ وشهادُة الزُّورِ، فَما زَال يكَرِّرُهَا حتَّى قُلنَا: ليْتهُ سكتْ).

وأخرج الحاكم عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلُّ الذنوب يؤخر الله ما شاء منها إلى يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين فإن الله تعالى يعجِّله لصاحبه في الحياة قبل الممات).

وروى الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِين وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِين).

وأخرج الطبراني في الصغير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجد ريحها: منان بعمله، ولا عاقٌّ، ولا مدمن خمر).

هل تعرف المرأة الغربية هذا الترهيب للأبناء إذا وقعوا في العقوق، المرأة الغربية رضيت أن يتعرَّف عليها ولدها في يوم واحد من أيام السنة الذي أسموه عندهم عيد الأم. فهل المرأة المسلمة تتطلَّع لأن تكون كالمرأة الغربية لا قدَّر الله تعالى؟

2ـ أنتِ في سن الشيخوخة في دار ولدك لا في دار العجزة:

قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}. أنت في طفولة الشيخوخة في رعاية الولد الذي رعيتيه أيام طفولته، لأن الله تعالى يقول: {هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان}. هو يقابل الإحسان بالإحسان، وحذَّره الإسلام من التأفُّف في وجهك أيام طفولة شيخوختك، وأمره بأن يقول لك القول الكريم، مع خفض الجناح والدعاء لك بالرحمة.

ويقول صلى الله عليه وسلم: (البركة مع أكابركم) رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما. والبركة عندنا مقصودةٌ ومطلوبة، لذلك ترى المسلم حريصاً كلَّ الحرص على الأم الكبيرة المُسنَّة حيث يلتمس منها البركة والدعاء.

أتريدين هذا يا أختاه؟ أم دار العجزة كما هو الحال عند المرأة الغربية؟ واليوم هذه الظاهرة الخطيرة في بلادنا تنتشر، لأن بعض النساء أرادت أن تكون امرأة غربية فتفلَّتت من دين الله عز وجل، فكانت نتيجتها أن جعل المجتمع لها دار الرحمة ودار العجزة التي يجب أن تسمى دار عقوق الوالدين.

يا أختاه كوني على حذر من دعايات الغرب فوالله اللعبةُ كلها عليك لا على غيرك، وانظري إلى حقيقة الغرب لا من أجهزة الإعلام، إنما من الواقع الملموس في عامة النساء هناك.

3ـ أنتِ محترمةٌ عند أبنائك بوصية من الله تعالى:

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير}.

وأخرج البخاري عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ).

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب).

وأخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: زوجها. قلت: فأيُّ الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه).

وروى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ولد بارٍّ ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله بكلِّ نظرة حجةً مبرورة ، قالوا : وإن نظر كل يوم مائة مرة؟ قال : نعم ، الله أكبر وأطيب).

4ـ بل أنت محترمة عند الولد حتى بعد الموت:

أخرج أبو داود عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا).

5ـ بل الإسلام أمر الولد أن يبرَّ أمه ولو كانت كافرة بدينه:

جاء في صحيح البخاري عن أَسْمَاءَ بنْتِ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي اللَّه عنهما قالت : (قَدِمتْ عليَّ أُمِّي وهِي مُشركة في عهْدِ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَاسْتَفتَيْتُ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قلتُ: قَدِمتْ عَليَّ أُمِّي وَهِى راغبةٌ، أَفأَصِلُ أُمِّي؟ قال: نَعمْ صِلي أُمَّكِ).

وهذه وصيَّة الله تعالى للأبناء في حقِّ الأم إن كانت كافرة، بل ولو أمرته بالكفر، قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون}.

6ـ بل عرَّف الإسلام أتباعه بأن الواحد منهم لا يستطيع أن يكافئ أمه مهما قدَّم لها:

بل لا يستطيع أن يكافئها ولا بزفرة من زفرات طلقها، روى البخاري في الأدب المفرد عن سعيد بن أبي بردة رضي الله عنه قال : سمعت أبي يحدِّث، أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره، يقول:

إني لها بعيرها المذلَّل *** إن أُذْعِرَت ركابها لم أذعر

ثم قال: يا بن عمر أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة).

وهذا سيدنا أويس القرني رضي الله عنه، الذي ما شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان قائماً على خدمة أمه.

روى مسلم عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ).

هل المرأة الغربية تعرف هذا؟ وهل الغرب يوجِّه أبناءه إلى هذا؟ إن عرفت يا أختاه رحمة الإسلام بك منذ نعومة أظفارك إلى زمن شيخوختك إلى ما بعد موتك فتعالي لتسمعي أوامر الله تعالى لك حتى تكوني أماً مربية لجيل يحمل هذه المبادئ.

وهذا ما سأتحدث عنه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

**        **     **

 

 2010-01-13
 3535
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 

التعليقات [ 1 ]

سعيد الكبيسي
 2010-01-16

جزاك الله خيراً عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وأدامك لرفع شأن الإسلام والمسلمين, ونفع بك شباب المسلمين, آمين.

 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3464 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3464
21-01-2018 4226 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4226
14-01-2018 3087 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3087
08-01-2018 3415 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3415
31-12-2017 3492 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3492
24-12-2017 3169 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3169

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5535
المقالات 3009
المكتبة الصوتية 4364
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406886355
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :