37ـ من وصايا الصالحين: مِن أعظمِ الحسراتِ غداً أن تَرى مَالَكَ في مِيزانِ غَيرِكَ

37ـ من وصايا الصالحين: مِن أعظمِ الحسراتِ غداً أن تَرى مَالَكَ في مِيزانِ غَيرِكَ

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:  

فَفي يومٍ من الأيَّامِ دَخَلَ سيِّدُنا الحسنُ البصريُّ رحمه الله تعالى على رجلٍ يَعودُهُ في مَرَضِهِ، هذا الرَّجلُ اسمُهُ عبدُ اللهِ بنُ الأهتمِ، فَرَآهُ يُصوِّبُ بَصَرَهُ في صُندوقٍ في بيتِهِ ويُصعِّدُهُ، ثمَّ قال: أبا سعيد، ما تقولُ في مِائةِ ألفٍ في هذا الصُّندوقِ، لم أُؤَدِّ منها زَكاةً، ولم أَصِل مِنها رَحِماً؟

قال: ثَكِلتكَ أُمُّكَ، ولمن كُنتَ تَجمَعُها؟

قال: لِرَوعةِ الزَّمانِ، وجَفوَةِ السُّلطانِ، ومُكاثَرَةِ العشيرةِ.

ثمَّ ماتَ، فَشَهِدَهُ الحسنُ، فَلمَّا فَرَغَ مِن دَفنِهِ.

قال: اُنظرُوا إلى هذا المسكينِ، أَتاهُ شَيطانُهُ فَحَذَّرَهُ رَوعةَ زَمانِهِ، وجَفوَةَ سُلطانِهِ، ومُكاثَرَةَ عَشيرَتِهِ، عمَّا رَزَقَهُ اللهُ إيَّاهُ وغَمَرَهُ فيه، اُنظرُوا كيف خَرَجَ مِنها مَسلوباً مَحروباً ـ مأخوذَ المالِ ـ.

ثمَّ التَفَتَ إلى الوارِثِ، فقال: أيُّها الوارِثُ، لا تُخدَعَنَّ كما خُدِعَ صُوَيحِبُكَ بالأمسِ، أتاكَ هذا المالُ حَلالاً فلا يَكونَنَّ عليكَ وَبَالاً، أتاكَ عَفواً صَفواً مِمَّن كانَ له جَموعاً مَنوعاً، مِن باطلٍ جَمَعَهُ، ومِن حقٍّ مَنَعَهُ، قَطَعَ فيه لُجَجَ البِحارِ، ومَفَاوِزَ القِفارِ.

لم تَكدَح فيه بِيمينٍ، ولم يَعرَق لك فيه جَبينٌ، إنَّ يومَ القيامةِ يومٌ ذو حسراتٍ، وإنَّ مِن أعظمِ الحسراتِ غداً أن تَرى مَالَكَ في مِيزانِ غَيرِكَ، فَيَالَها عَثرةٌ لا تُقالُ، وتَوبةٌ لا تُنالُ. اهـ.

أيُّها الإخوة الكرام: مَن فَهِمَ هذهِ الوَصِيَّةَ فَازَ ونَجَا، ومَن لم يَتَّعِظ بها وَوَضَعَها خلفَ ظَهرِهِ نَدِمَ وتَحسَّرَ وبَكَى عندَ سَكَراتِ الموتِ، ورحم الله مَن قال:

وَلَدَتكَ إذ وَلَدَتكَ أُمُّكَ باكياً *** والناسُ حَولَكَ يضحكونَ سُروراً

فَاعمَل لَعَلَّكَ أن تكونَ إذا بَكَوا *** في يومِ مَوتِكَ ضاحِكاً مَسروراً

أيُّها الإخوة الكرام: السَّعيدُ مَن سَمِعَ قولَ سيِّدِنا رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: (يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ، إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟) رواه الإمام مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

ورحم الله سفيانَ الثَّوريَّ عندما قال للسَّائلِ: (مرحباً بِمَن جاءَ يَغسِلُ ذُنُوبِي) اهـ.

ورحم الله الفُضَيلَ بنَ عِياضٍ عندما قال: (نِعمَ السَّائلونَ، يحمِلونَ أزوادَنا إلى الآخرةِ بِغيرِ أجرةٍ، حتى يَضعوها في الميزانِ بينَ يَدَيِ اللهِ تعالى) اهـ.

وأخيراً اسمعوا إلى قِصَّةِ سعيدِ بنِ عامرٍ رضي الله عنه أميرِ حمصَ، عندما ولَّاهُ عمرُ بنُ الخطابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ على حمص، ولم يمرَّ وقتٌ طويلٌ حتى جاءَ إلى أميرِ المؤمنينَ وَفدٌ من أهلِ حمصَ، فقال لهم: اُكتُبوا لي أسماءَ فُقرائِكُم حتى أُعطِيهم من مالِ المسلمينَ، فَكَتَبوا إليه أسماءَ فُقَرائِهِم، فكانَ منهم سعيدُ بنُ عامرٍ رضي الله عنه والي حمصَ.

فَسَألهَم عمرُ: ومن سعيدُ بنُ عامرٍ؟

قالوا: أميرُنا.

قال عمرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أميرُكُم فقيرٌ؟

قالوا: نَعَم والله، إنَّه تَمُرُّ عليه الأيَّامُ الطِّوالُ ولا يُوقَدُ في بيتِهِ نارٌ، ولا يُطبخُ طعامٌ.

فبكى عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ حتى بلَّلت دموعُهُ لحيَتَه، ثمَّ وَضَعَ ألفَ دينارٍ في صُرَّةٍ، وقال: اقرؤُوا عليهِ السلامَ مني، وقولوا له: بَعَثَ إليكَ أميرُ المؤمنينَ بهذا المالِ لِتستعينَ به على قضاءِ حاجاتِكَ، فلما رَجَعَ الوفدُ إلى مِصرَ وأَعطاهُ الصُّرَّةَ.

قال سعيد: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وكأنَّهُ قد أَصابَتهُ مُصيبةٌ، فَسألَتهُ زوجَتُهُ: ما الأمر؟ هل حَدَثَ مكروهٌ لِأميرِ المؤمنين؟

قال سعيد: أعظم.

قالت: فظهرَتْ آيةٌ؟

قال سعيد: أعظمُ من ذلك.

قالت: فأمرٌ من الساعة؟

قال سعيد: بل أَعظمُ من ذلك، دَخَلَت عليَّ الدُّنيا لِتُفسِدَ آخِرَتي.

قالت الزَّوجةُ: تَخَلَّص منها، وهي لا تَعرِفُ من أَمرِ الدَّنانيرِ شيئاً.

قال سعيد: أَوَتُعينينني على ذلك؟

قالت: نعم.

فَوَزَّعَ سعيدُ بنُ عامرٍ الدَّنانيرَ الألفَ التي أَرسَلَها إليه عمرُ على فُقَراءِ المسلمينَ. [أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق].

وبعدَ فترةٍ من الزَّمنِ زارَ عمرُ بنُ الخطابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حمصَ يَتَفَقَّدُ أحوالَها، وقَابَلَ أهلَها وسَأَلَهُم عن أميرِهِم سعيدِ بنِ عامرٍ رضي الله عنه، فَشَكَروا فيه وَأَثنَوا عليه، ولكنَّهم شَكَوا لعمرَ بنِ الخطابِ ثلاثةَ أفعالٍ لا يُحبُّونَها فيه، فاستدعى عمرُ سعيدَ بنَ عامرٍ، وجَمَعَ بينه وبينهم.

وقال عمر: ما تشكونَ من أَميرِكُم؟

فقالوا: إنَّهُ يَخرُجُ إلى الناسِ مُتَأخِّراً في النهارِ، ونَظَرَ أميرُ المؤمنين إلى سعيدٍ وسَأَلَهُ أن يُجيبَ.

فأجاب سعيد: والله إني أكرَهُ أن أقول ذلك، ليس لأهلي خادم، فأنا أَعجِنُ معهم عَجيني، ثم أنتظِرُ حتى يَخمرَ، ثم أَخبِزَ لهم، ثم أَتَوَضَّأَ وأَخرُجَ إلى الناسِ.

ثم قال عمر: وما تشكون منه أيضاً؟

قالوا: إنَّه لا يَرُدُّ على أحدٍ في اللَّيلِ.

قال سعيد: والله كنت أَكرَهُ أن أُعلِنَ ذلك أيضاً، إني جَعَلتُ النهارَ لهم، وجَعَلتُ اللَّيلَ لله عزَّ وجلَّ.

قال عمرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ : وما تشكون منه كذلك؟

قالوا: إنَّ له يوماً في الشَّهرِ لا يُقابِلُ فيه أحداً.

فقال عمرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وماذا تقولُ في ذلك يا سعيد؟

فقال سعيد: ليس لي خادمٌ يغسلُ ثِيابي، وليس عندي ثِيابٌ غيرَ التي عليَّ، ففي هذا اليومِ أَغسِلُها، وأَنتَظِرُ حتى تَجِفَّ، ثم أخرجُ إليهم آخرَ النهارِ.

عند ذلك قال عمرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: الحمدُ للهِ الذي لم يُخَيِّب ظَنِّي بكَ. [أخرجه أبو نعيم في الحلية].

أيُّها الإخوة الكرام: تَذكَّروا في هذهِ الآوِنَةِ قولَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِين}.

اللَّهُمَّ أخرِج حُبَّ الدُّنيا من قلوبنا. آمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوةً صالحةً

**     **     **

تاريخ المقال:

يوم الجمعة 20 / جمادى الثانية / 1433هـ ، الموافق: 11 / أيار / 2012م

الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  من وصايا الصالحين

05-03-2020 3090 مشاهدة
47ـ وصية أبي الدرداء (4)

لَقَدْ كَانَ الصَّحْبُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَلَى حَذَرٍ شَدِيدٍ مِنَ الصَّغَائِرِ فَضْلاً عَنَ الكَبَائِرِ، روى الإمام البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ ... المزيد

 05-03-2020
 
 3090
27-02-2020 2321 مشاهدة
46ـ وصية أبي الدرداء (3)

مَا أَجْمَلَ الصَّاحِبَ الصَّالِحَ، وَالأَخَ النَّاصِحَ، مَا أَجْمَلَ مَنْ يُذَكِّرُكَ بِاللهِ تعالى، وَيُذَكِّرُكَ بِالمَهَمَّةِ التي خُلِقْتَ مِنْ أَجْلِهَا، مَا أَجْمَلَ مَنْ يُذَكِّرُكَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا. مَا أَكْرَمَ ... المزيد

 27-02-2020
 
 2321
21-02-2020 1882 مشاهدة
45ـ وصية أبي الدرداء (2)

إِنَّ مِمَّا يُرَقِّقُ الطِّبَاعَ؛ وَيَعِظُ الْقُلُوبَ ويُشَنِّفُ الأَسْمَاعَ؛ وَيَدْعُو أَصْحَابَهَا إِلَى الاتِّبَاعِ، مَا جَاءَ فِي وَصَايَا السَّلَفِ؛ التِي هِيَ مِنْ أَجَلِّ الْمَوَاعِظِ التُّحَفِ، وَحَسْبُنَا مِنْ وَصَايَا السَّلَفِ ... المزيد

 21-02-2020
 
 1882
06-02-2020 2721 مشاهدة
44ـ وصية أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

إِنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَمِنْ مِيزَاتِهَا التي خَصَّهَا اللهُ تعالى، قَالَ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ... المزيد

 06-02-2020
 
 2721
30-01-2020 2214 مشاهدة
43ـ وصية أبي الدرداء لأهل دمشق

طُولُ الأَمَلِ دَاءٌ عُضَالٌ، وَمَرَضٌ مُزْمِنٌ، وَمَتَى تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ فَسَدَ مِزَاجَهُ، وَصَعُبَ عِلَاجُهُ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ دَاءٌ، وَلَا نَجَعَ فِيهِ دَوَاءٌ، بَلْ أَعْيَا الأَطِبَّاءَ، وَيَئِسَ مِنْ بُرْئِهِ الحُكَمَاءُ وَالعُلَمَاءُ، ... المزيد

 30-01-2020
 
 2214
25-10-2014 15951 مشاهدة
42ـ من وصايا الصالحين: وصية سيدنا عمر لأبي موسى الأشعري رَضِيَ اللهُ عَنهُما

فَإِنَّ لِلنَّاسِ نَفْرَةً عَنْ سُلْطَانِهِمْ، فَأَعُوذُ باللهِ أَنْ يُدْرِكَنِي وَإِيَّاكَ عَمْيَاءُ مَجْهُولَةٌ، وَضَغَائِنُ مَحْمُولَةٌ، فَأَقِمِ الْحُدُودَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. ... المزيد

 25-10-2014
 
 15951

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5449
المقالات 2959
المكتبة الصوتية 4297
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 405356567
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :