37ـ كلمة شهر ربيع الأول 1431هـ: سيدنا رسول الله    ليس بحاجة إلى احتفالاتنا ولكن...

37ـ كلمة شهر ربيع الأول 1431هـ: سيدنا رسول الله    ليس بحاجة إلى احتفالاتنا ولكن...

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيا أيها الإخوة الكرام: مما لا شك فيه ولا ريب بأن سيدنا محمداً رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى احتفالاتنا ولا إلى موالدنا، وليس بحاجة إلى تكريمنا له صلى الله عليه وسلم، فهو المُكرَّم، ونحن الذين نَشرُف به صلى الله عليه وسلم، ولكن نحن بأمسِّ الحاجة إلى شرعه الشريف صلى الله عليه وسلم إذا أردنا الحياة السعيدة.

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى هذه الاحتفالات، وخاصة بعد أن زكَّاه الله تعالى جملة وتفصيلاً، فقد زكى الله عقله، فقال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}. وزكَّى لسانه الشريف صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى}. وزكَّى شرعه الحنيف فقال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}. وزكَّى جليسه سيدنا جبريل عليه السلام فقال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}. وزكى الله تعالى فؤاده الشريف صلى الله عليه وسلم فقال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}. وزكَّى بصره الشريف صلى الله عليه وسلم فقال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}. وزكاه تبارك وتعالى فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم}.

فهل بعد هذا يحتاج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أحد من الخلق أن يزكِّيه ويمدحه وخاصة في زمن كثرت فيه المعاصي والآثام؟ هل يحتاج إلى أناس يزكُّونه ويمدحونه صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يُؤخذ عليهم كلُّ مأخذ، ويكونون سبباً في الطعن في دين الله عز وجل؟

الحب للنبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون صادقاً، وأن يكون المحب حريصاً كل الحرص على محبوبه في أن لا يمسَّ بأيِّ أذى، وألا يكون هو سبباً للإيذاء لمحبوبه.

انظروا إلى أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يا أصحاب الاحتفالات، وتعلَّموا منهم كيف يكون الحب الصادق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا واحد من الصحب الكرام رضي الله عنهم ينتظر صلبه من قبل المشركين انتقاماً من قتلى بدر.

عندما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة رضي الله عنه من الحرم ليقتلوه، فقال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمداً عندنا بمقامك تُضرَب عنقه، وأنت في أهلك، فقال زيد رضي الله تعالى عنه: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت أحداً يحبُّ أحداً كحب أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وسلم.

هذا هو الحب الصادق، فأين نحن من هذا الحب؟ إذا لم يكن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا في سنته وهديه وتشريعه فنحن لا شيء، فنحن أدعياء وحياتنا في شقاء وفي عذاب، ونحن نخادع أنفسنا ونعيش في وهم.

أيها المحبُّ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سل نفسك هذه الأسئلة، ومن خلال الجواب تعرف مدى حبك لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

أولاً: هل أنت ممن يأكل الربا؟ وصور الربا كثيرة جداً اليوم، فإن كنت آكلاً للربا ـ لا قدَّر الله تعالى ـ فما معنى حبِّك لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربنا عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ }؟ أيُّ حبٍّ عندك وأنت آكل للربا؟ وآكل الربا ملعون في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ).

ثانياً: هل أنت ممن يأكل الرشوة؟ وصور الرشوة كثيرة جداً اليوم باسم الهدية، باسم ردِّ المعروف، هذا إذا لم تكن مشترطاً الرشوة حتى تقوم بالواجب الذي عليك، أيُّ حبٍّ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت آكل للرشوة؟ وأنت تعلم حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا) رواه أحمد عن ثوبان رضي الله عنه. فهل يكون المحب ملعوناً؟

ثالثاً: هل أنت غاشٌّ لأحد من الخلق مؤمنهم وكافرهم؟ وصور الغش كثيرة جداً اليوم، فأيُّ حبٍّ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت غاشٌّ لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا) رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

رابعاً: هل أنت صادق الوعد مع خلق الله؟ وصور الخلف في الوعد اليوم كثيرة وكثيرة جداً، فأيُّ حبٍّ لسيدنا وأنت مخلف لوعدك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

خامساً: هل أنت مراقب لأهلك ومحارمك في لباسهنَّ؟ لأن ثياب العري ـ الثياب الفاضحة، الثياب المثيرة للشهوة ـ منتشرة في صفوف نساء المسلمين إلا من رحم الله تعالى، فأيُّ حبٍّ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء اليوم كما هو مشاهد ومعلوم؟

مصمِّم الأزياء للنساء رجالٌ من اليهود في فرنسا يتحكَّمون في لباس نساء المسلمين، وأكثر نساء المسلمين انصاعوا لهذا التقليد، وانطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ)؟ رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

أين المحبُّ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل لمحبيه: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)؟ رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه.

أيها الإخوة الكرام: والله لو زيَّنَّا شوارعنا وبيوتنا ومساجدنا بأوراق الزينة، ولو وزَّعنا الحلويات، وجعلنا المولد للنبي صلى الله عليه وسلم، وأتينا بأرقى المنشدين، وذبحنا الذبائح، ووزَّعنا الطعام في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم نأمر بالمعروف بعد أن نأتمر به، وننهى عن المنكر بعد أن ننتهي عنه، فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر شيئاً، ولا يعبر ذلك عن حبنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حبنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بالاتباع له في أقوالنا وأحوالنا، في أفراحنا وأتراحنا، حبُّنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بترك الربا، وبترك الرشوة، وبترك الغش، وبصدق الوعد، وبأمر نسائنا بثياب التقوى، هذا هو الحب الحقيقي لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكلامي هذا لا يعني أني أُنْكر المولد، معاذ الله تعالى، كيف أُنْكر مولداً يُذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟

كيف أُنْكر مولداً يُذكِّر الأمة بنبيها صلى الله عليه وسلم؟

كيف أُنْكر مولداً تُذكَر فيه السيرة العطرة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

كيف أُنْكر مولداً يعرِّفنا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُون}؟

كيف أُنْكر مولداً يجعلني أفكِّر في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأين أنا منه صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ}؟

كيف أُنْكر مولداً عندما أسمع فيه شمائل النبي صلى الله عليه وسلم؟ التي تثبِّت فؤادي، والله تعالى يقول: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}.

نعم أنا أحتفل بذكرى المولد الشريف مع اعتقادي بأنه طريق حسن يربط الأمة بنبيها صلى الله عليه وسلم، ما الذي يمنع من اجتماع الناس في بيت من بيوت الله عز وجل يتحدَّث فيه داعيةُ صدق يحدِّثهم عن سيد الوجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

أنا أريد من نفسي ومن المسلمين عامة أن نشارك في هذه الاحتفالات، ثم ننقل سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم إلى حيِّز التطبيق العملي، هذا الذي أريده من نفسي ومن المسلمين، لا أن يكون حبُّنا مجرَّد دعوى لا دليل عليها.

اللهم وفِّقنا لاتباعه صلى الله عليه وسلم بأقوالنا وأفعالنا وأحوالنا. آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**     **     **

 

 2010-02-13
 14187
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

09-02-2024 294 مشاهدة
210ـ انظر عملك في شهر شعبان

أَخْرَجَ الإِمَامُ النَّسَائِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ ... المزيد

 09-02-2024
 
 294
13-01-2024 215 مشاهدة
209ـ اغتنام ليل الشتاء

الدُّنْيَا دَارُ عَمَلٍ، وَفُرْصَةُ تَزَوُّدٍ لِيَوْمِ الرَّحِيلِ، قَالَ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.  الأَيَّامُ تَتَعَاقَبُ وَتَتَوَالَى، وَهَا نَحْنُ في الشِّتَاءِ، فَلْنَسْمَعْ وَصِيَّةَ سَيِّدِنَا رَسُولِ ... المزيد

 13-01-2024
 
 215
14-12-2023 300 مشاهدة
208ـ ماذا جرى لهذه الأمة؟

مَاذَا جَرَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ؟ هَلْ تَفْقِدُ ذَاكِرَتَهَا وَتَجْلِسُ مَعَ عَدُوِّهَا تَبْحَثُ عَنْ سَلَامٍ وَعُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ؟ يَذْبَحُهَا عَدُوُّهَا بِالأَمْسِ، فَتَمُدُّ لَهُ ذِرَاعَ المُصَافَحَةِ اليَوْمَ. يَصْفَعُهَا بِالأَمْسِ، ... المزيد

 14-12-2023
 
 300
16-11-2023 438 مشاهدة
207ـ لا تزال الأمة تبتلى

مَاذَا يَقُولُ الإِنْسَانُ المُسْلِمُ، وَمَاذَا يَفْعَلُ وَالمَجَازِرُ الدَّمَوِيَّةُ تُرْتَكَبُ عَلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ وَفي غَزَّةَ خَاصَّةً شَمَلَتِ الشُّيُوخَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ الضُّعَفَاءَ وَالآمِنِينَ، وَالعَالَمُ كُلُّهُ ... المزيد

 16-11-2023
 
 438
16-09-2023 459 مشاهدة
205ـ كيف لا نحب الحبيب صلى الله عليه وسلم!

مَا أَجْمَلَ شَهْرَ الرَّبِيعِ الذي وُلِدَ فِيهِ الحَبِيبُ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟! حَيْثُ إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ يُذَكِّرُنَا بِفَصْلِ الرَّبِيعِ الذي فِيهِ تَتَفَتَّحُ الأَزْهَارُ، وَتُغَرِّدُ ... المزيد

 16-09-2023
 
 459
17-08-2023 273 مشاهدة
204ـ مرحبًا بصفر الخير

التَّشَاؤُمُ وَالتَّطَيُّرُ مِنَ الصِّفَاتِ المَذْمُومَةِ، وَالأَخْلَاقِ اللَّئِيمَةِ، وَلَا يَصْدُرَانِ إِلَّا مِنَ النُّفُوسِ المُسْتَكِينَةِ، لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ للتَّوَكُّلِ وَاليَقِينِ، فَهُمَا مِنْ سِمَاتِ الكُسَالَى وَالبَطَّالِينَ، ... المزيد

 17-08-2023
 
 273

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5613
المقالات 3148
المكتبة الصوتية 4720
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 411408393
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2024 
برمجة وتطوير :