16ـ أخلاق وآداب: آداب الحوار

16ـ أخلاق وآداب: آداب الحوار

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلقد جاء الإسلام ليلبي حوائج الناس كلَّها، وفتح لهم باب الحوار، لأنه الباب الكبير للوصول إلى الحقيقة، لذلك رأينا الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام حاوروا أقوامهم، وفتحوا لهم باب الحوار، لأن الإنسان إذا لم يقتنع بأمر لا يحسنه، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.

والحوار حتى يكون له قيمته العلمية لا بد من الالتزام بآدابه، وإلا كان جدلاً عقيماً، ومن آداب الحوار الناجح:

أولاً: إخلاص المحاور النيةَ لله تعالى، والنية محلُّها القلب لا يعلمها إلا الله تعالى، لذلك وجب على المحاور أن يراقب الله تعالى، وأن يكون حواره من أجل الوصول إلى الحق، وهذا لا يتحقَّق إلا بالإخلاص، وهذا مأمور به المؤمن من خلال قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.

أما إذا كان المحاور يقصد الانتصار لنفسه، فلن يصل إلى الحق، لأن النفوس كما يقولون تشمُّ بعضها البعض، بل عليه أن يقصد الوصول إلى الحق، فليحرِّر المحاور نيَّته قبل الحوار، وإلا تعب في الحوار، ولا أجر له في ذلك.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن الله تبارك وتعالى أجرى الحقَّ على لسانه.

ويقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء: فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتَّضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل، وكيف يجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذمُّ من أفحمه طول عمره. اهـ.

فمن لم يخلص في الحوار تعمى بصيرته، فلا يرى الحق إلا ما وافق هواه، وهذا هو الضلال المبين، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُون}.

ثانياً: احترام الطرف الآخر أثناء الحوار، لأن الاحترام للطرف الثاني سبب كبير من أسباب الاستجابة للحق إذا ظهر، قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين * قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم}.

هل رأيت أدباً في الحوار أعظم من الأدب الذي ربى عليه الإسلام أتباعه؟ {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا} جعل اختياره بمرتبة الإجرام على الرغم أنه هو الحقُّ المحض، {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون} وصف اختيار الطرف الثاني بالعمل فقط دون ذكر الإجرام، بل جعل الأمر لله تعالى ليحكم الحكم النهائي، فقال: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم}.

ومن الاحترام للطرف الثاني أن يتعهَّد الطرف الأول بالاتباع إذا ثبت الحق على يديه، ومصداق هذا هو قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين}.

ثالثاً: يجب على المتحاورين التحلي بصفة الصبر والحلم أثناء الحوار، وهذا ما وجَّه إليه القرآن العظيم بقوله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً}، والصبر لا يتحقَّق إلا بالله تعالى، قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُون}.

بل أمر الله تعالى سيدَنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن لا يستعجل العذاب على أهل الباطل، فقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُون}.

وانظر إلى الحلم الذي ربَّى عليه مولانا عز وجل أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، فهذا سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يوجِّهه ربُّنا عز وجل من خلال قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم}.

وهذا سيدنا نوح عليه السلام يقول لقومه: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين}، وهذا سيدنا هود عليه السلام يردُّ على قومه: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين}.

ولقد كان أعظم الأنبياء صبراً وحلماً على الطرف الثاني هو سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، حيث كان أعظم الناس صبراً، وأوفرهم حلماً، وأوسعهم صدراً، وأكثرهم صفحاً، وأكرمهم عفواً.

جاء في صحيح البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِئَةً مِنْ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: (فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟! رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ).

فالمحاور يجب أن يكون صاحب صبر وحلم، وخاصة إذا كان على حق، وليسمع إلى قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين}، وليسمع إلى قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا}، وليسمع قوله تعالى: { وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم}.

فيا أيها المحاور عليك بالإخلاص، واحترام الطرف الثاني، وعليك بالصبر والحلم. اللهمَّ أكرمنا بذلك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

** ** **

 

 2011-05-07
 36825
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  أخلاق و آداب

14-01-2015 3917 مشاهدة
36ـ أخلاق وآداب: (12) أدباً من آداب في الطعام

فإنَّ كَمَالَ هَدْيِ سَيِّدِنا رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أنْ عَلَّمَنَا آدَابَاً عِندَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، من هذهِ الآدَابِ: ... المزيد

 14-01-2015
 
 3917
06-01-2014 24700 مشاهدة
35ـ أخلاق وآداب: بعض الأدعية النبوية (2)

روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِب الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ ... المزيد

 06-01-2014
 
 24700
29-11-2013 24145 مشاهدة
34ـ آداب وأخلاق: بعض الأدعية النبوية (1)

أولاً: أدعِيَةٌ للمِهمومِ والمَكروبِ والمَحزونِ: ... المزيد

 29-11-2013
 
 24145
19-11-2013 26550 مشاهدة
33ـ آداب وأخلاق: مصيبة المصائب مع دعاة الإصلاح

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 19-11-2013
 
 26550
08-11-2013 25671 مشاهدة
32ـ آداب وأخلاق: عليك بالإيمان والتوبة وصنع المعروف

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 08-11-2013
 
 25671
07-09-2013 29847 مشاهدة
31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

من صِفاتِ المؤمنينَ الذينَ جاؤوا من بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ، أنَّهُم لا يَحمِلونَ الغِلَّ في صُدورِهِم على أحَدٍ من خَلقِ الله تعالى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ ... المزيد

 07-09-2013
 
 29847

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5010
المقالات 2270
المكتبة الصوتية 4000
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 385468278
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :