أين هي أُمُّ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ   ؟

12002 - أين هي أُمُّ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ   ؟

12-06-2022 237 مشاهدة
 السؤال :
هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ أُمَّ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاهُ في النَّارِ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ». وَبِحَدِيثٍ رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 12002
 2022-06-12

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَتَدَبَّرَ القُرْآنَ العَظِيمَ أَوَّلًا، وَخَاصَّةً في أَهْلِ الفَتْرَةِ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.

وَقَالَ تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

وَقَالَ تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.

وَقَالَ تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.

وَقَالَ تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.

وَقَالَ تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.

وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». هَذَا أَوَّلًا.

ثَانِيًا: الأَبَوَانِ الشَّرِيفَانِ، سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ وَسَيِّدَتُنَا آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَأَرْضَاهُمَا، كَانَا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ، وَلَمْ تَبْلُغْهُمَا دَعْوَةُ أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ:

1ـ تَأَخُّرُ زَمَانِهِمَا، وَبُعْدُ مَا بَيْنِهِمَا وَبَيْنَ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ، فَإِنَّ آخِرَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَ بِعْثَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هُوَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَتِ الفَتْرَةُ بَيْنَهُمَا سِتَّمِئَةِ سَنَةٍ.

2ـ كَانَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَأَرْضَاهُمَا في زَمَنِ الجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أَطْبَقَ الجَهْلُ الأَرْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَفُقِدَ مَنْ يُعَرِّفُ النَّاسَ الشَّرَائِعَ، وَيُبَلِّغُ الدَّعْوَةَ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ.

وَلِهَذَا لَمَّا بُعِثَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ بِعْثَتِهِ، وَقَالُوا ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾؟ وَقَالُوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. فَلَو كَانَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ مِنْ بِعْثَةِ الرُّسُلِ لَمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ.

وَرُبَّمَا كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ سَيِّدَنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بُعِثَ بِمَا هُم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَلِذَلِكَ نَفَى اللهُ تعالى عَنْهُ الشِّرْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يُبَلِّغُهُمْ شَرِيعَةَ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ، لِدُثُورِهَا وَفَقْدِ مَنْ يَعْرِفُهَا، إِذْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ زَمَنِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَمَا تَوَلَّى اللهُ تعالى حِفْظَ دِينٍ مِنَ الأَدْيَانِ، إِلَّا دِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ وَالِدَيْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ.

ثَالِثًا: الحَدِيثُ الذي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟

قَالَ: «فِي النَّارِ».

فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ». لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَيِّدَنَا عَبْدَ اللهِ وَالِدَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هُوَ المَقْصُودُ، لِأَنَّ كَلِمَةَ الأَبِ تُطْلَقُ عَلَى الوَالِدِ، وَعَلَى العَمِّ، وَعَلَى الجَدِّ وَلَو كَانَ بَعِيدًا.

بِدَلِيلِ قَوْلِ اللهِ تعالى حِكَايَةً عَنْ أَوْلَادِ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَمَا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ سَيِّدَنَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَمُّ وَالِدِهِمْ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوهُ في الآيَةِ ضِمْنَ آبَائِهِ.

وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

لِذَلِكَ فَمِنَ المُمْكِنِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ أَبِي التي قَالَهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في حَدِيثِ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ». قَصَدَ بِهَا عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ، لِأَنَّهُ في النَّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾.

أَو يَكُونُ المَقْصُودُ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ».

وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ».

وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟

قَالَ: «نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».

وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي».

قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ، فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ فَسَقَطَ، فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ.

فَلَو كَانَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يَفْدِهِ بِهِمَا، وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.

رَابِعًا: أَمَّا حَدِيثُ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».

فَفِي هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ لَا يُوجَدُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَةَ آمِنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ كَذَلِكَ، وَأَهْلُ الفَتْرَةِ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فَعَدَمُ الاسْتِغْفَارِ لَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَو كَانَتْ ـ لَا قَدَّرَ اللهُ تعالى ـ كَذَلِكَ، لَمَا أَذِنَ اللهُ تَبَارَكَ وتعالى لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِزِيَارَةِ قَبْرِهَا، وَلَو عَلِمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً ـ حَاشَاهَا ـ لَتَبَرَّأَ مِنْهَا، وَلَالْتَزَمَ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِبُكَائِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ بُكَاءٌ عَلَى فِرَاقِهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا.

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَلَيْسَ في الحَدِيثَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ وَالِدَيْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَا كَافِرَيْنِ ـ مَعَاذَ اللهِ تعالى ـ فَهُمَا أَقَلُّ مَا يُقَالُ فِيهِمَا إِنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ، وَأَهْلُ الفَتْرَةِ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَبَوَا سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَفُوزَانِ بِالامْتِحَانِ بِإِذْنِ اللهِ تعالى، بِبَرَكَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، بَعْدَ رَحْمَةِ اللهِ تعالى.

وَيَجِبُ عَلَى الأُمَّةِ أَنْ تَلْتَزِمَ الأَدَبَ مَعَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَخَاصَّةً في مِثْلِ هَذِهِ القَضِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمَا سَجَدَا لِصَنَمٍ حَاشَا للهِ تعالى، وَيَكْفِي وَالِدَيْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اسْمَهُمَا عَبْدُ اللهِ، وَآمِنَةُ.

وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الإِيذَاءُ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَقَّلُ مِنْ أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ إلى أَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ.

اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا نِعْمَةَ الأَدَبِ مَعَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. آمين. هذا، والله تعالى أعلم.

237 مشاهدة
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  المسائل المتعلقة بالعقيدة

 السؤال :
 2022-09-02
 144
لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ قَرِيبٍ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّيَانَةِ الإِبْرَاهِيمِيَّةِ، فَمَا هِيَ هَذِهِ الدِّيَانَةُ؟
 السؤال :
 2022-08-22
 58
مَا مَصِيرُ الحَيَوَانَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ وَهَلْ صَحِيحٌ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهَا في ذَلِكَ اليَوْمِ؟
 السؤال :
 2022-01-16
 367
سَمِعْنَا أَنَّ النَّارَ سَتَفْنَى مَعَ أَهْلِهَا، وَلَنْ تَبْقَى أَبَدَ الآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، فَهَلْ هَذَا الكَلَامُ صَحِيحٌ؟
 السؤال :
 2021-08-18
 475
هَلِ المَلَائِكَةُ الكِرَامُ يَرَوْنَ اللهَ تعالى؟
 السؤال :
 2021-01-10
 1296
مَا هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وَالفَاسِقِ؟
 السؤال :
 2020-08-20
 990
هَلِ المَرَضُ يُعْدِي بِطَبْعِهِ، أَمْ بِقَدَرِ اللهِ تعالى وَفِعْلِهِ؟

الفهرس الموضوعي

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5535
المقالات 3008
المكتبة الصوتية 4364
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406878920
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :