152-نحو أسرة مسلمة: الجلوس مع الزوجة والتحدث معها

152-نحو أسرة مسلمة: الجلوس مع الزوجة والتحدث معها

 

نحو أسرة مسلمة

152ـ الجلوس مع الزوجة والتحدث معها

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: إِنَّ الحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ في بُيُوتِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أُنْمُوذَجٌ رَائِعٌ لِمَنْ أَرَادَ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْ صِدْقِ مَحَبَّتِهِ للهِ تعالى، وَلِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وَقَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرَاً﴾.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدِ ابْتَعَدَ الكَثِيرُ مِنَ الرِّجَالِ في حَيَاتِهِمُ الزَّوْجِيَّةِ عَنِ النَّهْجِ الذي جَاءَ بِهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى صَارَ البَعْضُ يَنْظُرُ إلى الزَّوَاجِ كَمَا يَنْظُرُ إِلى  دَاءٍ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَرِينِ سَوْءٍ بَاقٍ مُعَمَّرٍ، وَحَتَّى خَاطَبَ بَعْضُهُمْ زَوْجَتَهُ بِقَوْلِهِ:

تَنَحَّيْ فَاجْلِسِي عَــنِّي بَـعِيدَاً   ***   أَرَاحَ اللهُ مِـنْـكِ الـعَـالَمِينَا

أَغُرْبَالَاً إِذَا اسْتُوْدِعْـتِ سِـرَّاً   ***   وَكَانُونَاً عَلَى المُتَحَـدِّثِـيـنَـا

حَيَاتُكِ مَا عَلِمْتُ حَيَاةُ سُوءٍ    ***   وَمَوْتُكِ قَدْ يَسُرُّ الصَّاحِبِينَا

الجُلُوسُ مَعَ الزَّوْجَةِ، وَالتَّحَدُّثُ مَعَهَا:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: أَعِيدُوا حَيَاةَ السَّعَادَةِ وَحَيَاةَ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ إلى بُيُوتِكُمْ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجَاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

مَا ذَهَبَ السَّكَنُ وَالمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ مِنْ بُيُوتِ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا بِسَبَبِ الابْتِعَادِ عَنْ مَنْهَجِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ كَانَ مِنْ نَهْجِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الجُلُوسُ مَعَ نِسَائِهِ وَالتَّحَدُّثُ مَعَهُنَّ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ على زَوْجِهَا، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ نَهْجِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

كَثِيرٌ مِنَ الأَزْوَاجِ لَا يَجْلِسُونَ مَعَ نِسَائِهِمْ، وَلَا يَتَحَدَّثُونَ مَعَهُنَّ، وَإِذَا تَحَدَّثُوا تَحَدَّثُوا بِغَيْرِ اكْتِرَاثٍ وَلَا مُبَالَاةٍ وَلَا اهْتِمَامٍ، وَأَمَّا مَعَ الغَيْرِ فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجَ، فَهُمْ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجَةِ كَثِيرُوا الحَدِيثِ، كَثِيرُوا المُلَاطَفَةِ وَالمُدَاعَبَةِ وَالمُمَازَحَةِ وَالحِوَارِ الهَادِئِ، يَسْهَرُونَ السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةَ مَعَ الأَصْدِقَاءِ إِلَّا مَعَ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلَادِ.

أَيُّ حَيَاةٍ هَذِهِ؟ وَأَيُّ عَلَاقَةٍ زَوْجِيَّةٍ هَذِهِ؟ أَيْنَ حَقُّ الزَّوْجَةِ وَحَقُّ الأَوْلَادِ والجُلُوسُ مَعَهُمْ؟

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الجُلُوسُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلَادِ مِنْ صِفَاتِ المُتَوَاضِعِينَ المُتَأَسِّينَ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؛ فَهَذَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَ نِسَائِهِ، وَيُلَاطِفُهُنَّ، وَيُمَازِحُهُنَّ، وَيَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِهِنَّ، فَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ القَائِلُ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» رواه الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.

لَقَدْ ظَنَّ البَعْضُ أَنَّ الرُّجُولَةَ وَالشَّخْصِيَّةَ في عُبُوسِ الوَجْهِ، وَتَقْطِيبِ الجَبِينِ، وَإِصْدَارِ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَتَجَنُّبِ المُبَاسَطَةِ في الحَدِيثِ مَعَ الأَهْلِ، وَمُبَادَلَةِ المَسَرَّاتِ وَحُسْنِ الإِصْغَاءِ.

مُؤَانَسَةٌ وَمُبَاسَطَةٌ في بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الوَجْهُ الصَّبُوحُ مِنَ الرَّجُلِ خَيْرُ وَسِيلَةٍ لِكَسْبِ قَلْبِ الزَّوْجَةِ، وَحُسْنُ الـبِشْرِ يُذْهِبُ السَّخِيمَةَ مِنَ القَلْبِ، وَالدَّمَاثَةُ وَحُسْنُ الخُلُقِ تَجْذِبُ القُلُوبَ، وَهِيَ عَلَامَةٌ على كَمَالِ الإِيمَانِ، روى الترمذي وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانَاً أَحْسَنُهُمْ خُلُقَاً».

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يُؤَانِسُ أَهْلَهُ وَيُبَاسِطُهُمْ وَيُسَامِرُهُمْ.

روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئَاً.

قَالَتِ الْأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ (مَهْزُولٍ) عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ (أَيْ: يَرْتفِعُ وَيَتَكَبَّرُ)  لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ (أَيْ: تَنْقُلُهُ النَّاسُ إلى بُيُوتِهِمْ لِيَأْكُلُوهُ).

قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ (لَا أَنْشُرُهُ وَأُشيِعُهُ) إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ (فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الهَاءَ عَائِدَةٌ على خَبَرِهِ فَالمَعْنَى أَنَّ خَبَرَهُ طَوِيلٌ إِنْ شَرَعْتُ في تَفْصِيلِهِ لَا أَقْدِرُ على إِتْمَامِهِ لِكَثْرَتِهِ؛ وَالثَّانِي: أَنَّ الهَاءَ عَائِدَةٌ على الزَّوْجِ وَتَكُونُ لَا زَائِدَةً كَمَا في قَوْلِهِ تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ﴾. وَمَعْنَاهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُطَلِّقَنِي فَأَذَرَهُ) إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ (عُيُوبَهُ).

قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ (الطَّوِيلُ، لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ طُولٍ بِلَا نَفْعٍ) إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ (إِنْ ذَكَرْتُ عُيُوبَهُ طَلَّقَنِي، وَإِنْ سَكَتُّ عَنْهَا عَلَّقَنِي فَتَرَكَنِي لَا عَزْبَاءَ وَلَا مُزَوَّجَةً).

قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ (لَيْسَ فِيهِ أَذَىً، بَلْ هُوَ رَاحَةُ وَلَذَاذَةُ عَيْشٍ) لَا حَرَّ وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ (لَيْسَ فِيهِ حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ مُفْرِطٌ، وَلَا أَخَافُ لَهُ غَائِلَةً لِكَرَمِ أَخْلَاقِهِ وَلَا يَسْأَمُنِي وَيَمَلُّ صُحْبَتِي).

قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ (شُبِّهَ بِالفَهْدِ لِكَثْرَةِ نَوْمِهِ) وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ (وَصْفٌ لَهُ بِالشَّجَاعَةِ) وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ (أَيْ: لَا يُسْأَلُ عَمَّا كَانَ عَهِدَهُ في البَيْتِ مِنْ مَالِهِ وَمَتَاعِهِ).

قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ (اللَّفُّ في الطَّعَامِ الإِكْثَارُ مِنْهُ) وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ (أَيْ: اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ مَا في الإِنَاءِ) وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ (لَمْ يُضَاجِعْنِي) وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ (أَيْ: لَا يَسْأَلُ عَمَّا أَشْتَكِي).

قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ (هُوَ العِنِّينُ الذي تُعْيِيهِ مُبَاضَعَةُ النِّسَاءِ وَيَعْجَزُ عَنْهَا) طَبَاقَاءُ (هُوَ الذي لَا يَعْرِفُ الكَلَامَ) كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ (جَمِيعُ أَدْوَاءِ النَّاسِ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ) شَجَّكِ (أَيْ: جَرَحَكِ في الرَّأْسِ) أَوْ فَلَّكِ (الفَلُّ: الكَسْرُ وَالضَّرْبُ) أَوْ جَمَعَ كُلَّاً لَكِ.

قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ (نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ) وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ (لَيِّنُ الجَانِبِ وَكَرِيمُ الخُلُقِ).

قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ (أَيْ: بَيْتُهُ الذي يَسْكُنُهُ لِيَرَاهُ الضِّيفَانُ وَأَصْحَابُ الحَوَائِجِ) طَوِيلُ النِّجَادِ (النَّجَادُ: حَمَائِلُ السَّيْفِ؛ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِ القَامَةِ) عَظِيمُ الرَّمَادِ (كِنَايَةٌ عَنِ الجُودِ وَكَثْرَةِ الضِّيَافَةِ) قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ (وَصْفٌ لَهُ بِالمِضْيَافِ).

قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ (مَعْنَاهُ: أَنَّ لَهُ إِبِلَاً كَثِيرَاتٍ، فَهِيَ بَارِكَةٌ بِفِنَائِهِ، لَا يُوَجِّهُهَا تَسْرَحُ إِلَّا قَلِيلَاً قَدْرَ الضَّرُورَةِ، وَمُعْظَمُ أَوْقَاتِهَا تَكُونُ بَارِكَةً بِفِنَائِهِ، فَإِذَا نَزَلَ بِهِ الضِّيفَانُ كَانَتِ الإِبِلُ حَاضِرَةً، فَيُقْرِيهِمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَلُحُومِهَا؛ وَالمِزْهَرُ هُوَ العُودُ الذي يَضْرِبُ).

قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ (أَيْ: حَلَّانِي بِالحُلِيِّ) وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ (أَسْمَنَنِي) وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي (فَرَّحَنِي فَفَرِحْتُ؛ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالفَخرِ) وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ (أَيْ: أَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا أَصْحَابَ غَنَمٍ) فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ (أَيْ: أَهْلِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ) وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ (الدَّائِسُ: هُوَ الذي يَدُوسُ الزَّرْعَ في بَيْدَرِهِ؛ وَمُنَقٍّ مِنْ نَقَّى الطَّعَامِ يُنَقِّيهِ) فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ (لَا يُقَبِّحُ قَوْلِي) وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ (أَيْ: أَنَّهَا مَكْفِيَّةٌ بِمَنْ يَخْدِمُهَا فَتَنَامُ) وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ (أُرْوَى حَتَّى أَدَعَ الشَّرَابَ).

أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ (العُكُومُ الأَعْدَالُ وَالأَوْعِيَةُ التي فِيهَا الطَّعَامُ وَالأَمْتِعَةُ؛ وَرَدَاحٌ: أَيْ: عِظَامٌ كَبِيرَةٌ) وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ (أَيْ: وَاسِعٌ وَفَسِيحٌ).

ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ (مُرَادُهَا أَنَّهُ مُهَفْهَفٌ خَفِيفُ اللَّحْمِ) وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ (الأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ المَعْزِ أَو الضَّأْنِ).

بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا (أَيْ: مُمْتَلِئَةُ الجِسْمِ سَمِينَتُهُ) وَغَيْظُ جَارَتِهَا (أَيْ: تَغِيظُ ضُرَّتَهَا مِنْ حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا وَعِفَّتِهَا وَأَدَبِهَا).

جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثَاً (أَيْ: لَا تُشِيعُهُ وَتُظْهِرُهُ) وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثَاً (لَا تُفْسِدُ الطَّعَامَ وَلَا تُفَرِّقُهُ وَلَا تَذْهَبُ بِهِ لِأَمَانَتِهَا) وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشَاً (أَيْ: لَا تَتْرُكُ الكُنَاسَةَ وَالقُمَامَةَ فِيهِ).

قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ (أَسْقِيَةُ اللَّبَنِ يُسْتَخْرَجُ زُبْدُهَا) فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ، يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ (مَعْنَاهُ إِنَّهَا ذَاتُ كِفْلٍ عَظِيمٍ، فَإِذَا اسْتَلْقَتْ على قَفَاهَا نَتَأَ الكِفْلُ بِهَا مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَصِيرَ تَحْتَهَا فَجْوَةٌ يَجْرِي فِيهَا الرُّمَّانُ) فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا؛ فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلَاً سَرِيَّاً (سَيِّدَاً شَرِيفَاً) رَكِبَ شَرِيَّاً (فَرَسَاً يَسْتَشْرِي في سَيْرِهِ أَيْ يُلِحُّ وَيَمْضِي) وَأَخَذَ خَطِّيَّاً (رُمْحَاً) وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمَاً ثَرِيَّاً (أَيْ: أَتَى بِهَا إلى مَرَاحِ الإِبِلِ والبَقَرِ وَالغَنَمِ وَهُوَ مَوْضِعُ مَبِيتِهَا) وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجَاً (أَيْ: مِمَّا يَرُوحُ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالعَبِيدِ اثْنَيْنِ).

قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ (أَيْ: أَعْطِيهِمْ وَأَفْضِلِي عَلَيْهِمْ وَصِلِيهِمْ) فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ .

قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»(هُوَ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِهَا وَإِيضَاحٌ لِحُسْنِ عِشْرَتِهِ إِيَّاهَا).

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: دِينُنَا دِينٌ مَتِينٌ يَبْنِي العَلَاقَةَ المَتِينَةَ بَيْنَ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ خَاصَّةً، دِينُنَا دِينُ أَخْلَاقٍ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلْيَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» رواه الحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» رواه الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

فَلْيُعَامِلْ كُلٌّ مِنَّا زَوْجَتَهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُعَامِلَهُ، وَكَمَا يُحِبُّ أَنْ تُعَامَلَ ابْنَتُهُ وَأُخْتُهُ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَحْسَنَ الأَخْلَاقِ وَالأَعْمَالِ مَعَ الإِخْلَاصِ. آمين.

وصَلَّى اللهُ عَلَى سيِّدِنا محمَّدٍ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِين. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْـمُرْسَلِين * وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِين.

**        **     **

تاريخ الكلمة:

الأحد: 12/ ربيع الأول /1438هـ، الموافق: 11/ كانون الأول / 2016م

 2016-12-11
 616
الشيخ أحمد شريف النعسان
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 1861 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 1861
21-01-2018 2248 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 2248
14-01-2018 1957 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 1957
08-01-2018 1835 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 1835
31-12-2017 1931 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 1931
24-12-2017 1939 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 1939

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5155
المقالات 2546
المكتبة الصوتية 4042
الكتب والمؤلفات 16
الزوار 388348712
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :