129ـ كلمة شهر ذي القعدة 1438: جفت صناعة الرجال

129ـ كلمة شهر ذي القعدة 1438: جفت صناعة الرجال

129ـ كلمة شهر ذي القعدة 1438: جفت صناعة الرجال

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَمَّا خَالَفَ بَعْضُ الرُّمَاةِ أَمْرَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ، صَعِدَ أَبُو سُفْيَانَ قِمَّةَ الجَبَلِ وَقَالَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ.

فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ.

ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ.

ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ.

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ، فَقَدْ قُتِلُوا.

فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللهِ يَا عَدُوَّ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ.

قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ».

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟

قَالَ: «قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ».

قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ.

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟».

قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟

قَالَ: «قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ».

أَيْنَ الرِّجَالُ في الأُمَّةِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: سَأَلَ أَبُو سُفْيَانَ عَنِ الشَّخْصِيَّاتِ العَظِيمَةِ، وَأَوَّلُ شَخْصِيَّةٍ سَأَلَ عَنْهَا، سَأَلَ عَنْ شَخْصِيَّةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الشَّخْصِيَّةِ الأُولَى مِنْ بَعْدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، سَأَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ثُمَّ عَنْ عُمَرَ، وَهَكَذَا.

سَأَلَ عَنْ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتِ التي هَزَّتْهُ وَهَزَّتْ قُرَيْشَاً، بَلْ قُلْ: هَزَّتِ العَالَمَ وَلَمْ تَزَلْ، سَأَلَ عَنْ شَخْصِيَّاتٍ عَظِيمَةٍ جَسَّدَتِ الإِسْلَامَ تَجْسِيدَاً سُلُوكِيَّاً بِالقِيَمِ وَالأَخْلَاقِ، سَأَلَ عَنْ شَخْصِيَّاتٍ عَظِيمَةٍ هَزَّتْ عَرْشَ هِرَقْلَ وَكِسْرَى وَعُظَمَاءِ العَالَمِ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: أَيْنَ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتُ في مُجْتَمَعِنَا؟ لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتُ كَثِيرَةً وَكَثِيرَةً جِدَّاً في سَالِفِ الأُمَّةِ، لِمَاذَا جَفَّتْ صِنَاعَةُ الرِّجَالِ في زَمَانِنَا؟

الجَوَابُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ جَوَابٌ مُؤْلِمٌ وَمُحْزنٌ، الجَوَابُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ نَقُولُهُ بِاسْتِحْيَاءٍ، لِأَنَّ المَرْأَةَ فَسَدَتِ اليَوْمَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ تعالى، وَنَسِيَتْ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾.

وَإِذَا فَسَدَتِ المَرْأَةُ فَسَدَ المُجْتَمَعُ، المَرْأَةُ هِيَ المَصْنَعُ وَهِيَ المَعْمَلُ التي تُخْرِجُ رِجَالَاً صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ، مُهِمَّةُ المَرْأَةِ أَنْ تَلِدَ وَتُرَبِّيَ، تُرَبِّيَ رِجَالَاً يَدُكُّونَ عُرُوشَ الفَرَاعِنَةِ، تُرَبِّيَ رِجَالَاً لِـحَمْلِ مِيرَاثِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: عِنْدَمَا عَرَفَ أَعْدَاءُ الأُمَّةِ هَذَا، رَكَّزُوا عَلَى فَسَادِ المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَبِكُلِّ أَسَفٍ حَقَّقُوا مَا أَرَادُوا، وَذَلِكَ بِالتَّعَاوُنِ مَعَ أَذْنَابِهِمْ في صُفُوفِ المُسْلِمِينَ.

فَسَدَتِ المَرْأَةُ، فَأَفْسَدَتِ الرِّجَالَ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: عِنْدَمَا فَسَدَتِ المَرْأَةُ، أَفْسَدَتِ الرِّجَالَ، وَعِنْدَمَا فَسَدَ الرِّجَالُ، عَاثَ الذينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ في الأَرْضِ فَسَادَاً، عَاثَ الجُبَنَاءُ في الأَرْضِ فَسَادَاً، عَاثَ مَنْ قَالَ اللهُ تعالى فِيهِمْ: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعَاً إِلَّا فِي قُرَىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعَاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾.

أَمِنَ المَعْقُولِ مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفَهُمْ يَتَحَدُّونَ المُسْلِمِينَ في مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا في أَقْصَاهُمْ، في أُولَى القِبْلَتَيْنِ، وَثَالِثِ الحَرَمَيْنِ، وفي مَسْرَى نَبِيِّهِمْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

أَيْنَ رِجَالُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟

لِمَاذَا رَأَيْنَا رُجُولَتَهُمْ في تَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلَى قَتْلِ بَعْضِهِمْ في بِلَادِ الشَّامِ، وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُمْ كَلِمَةً في أَقْصَانَا؟

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ فَقَدَتِ الأُمَّةُ الرِّجَالَ الذينَ كَانُوا حَرِيصِينَ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى جَمْعِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، عَلَى الالْتِزَامِ بِالنَّهْجِ الذي جَاءَ بِهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِفَسَادِ المَرْأَةِ.

فَهَلْ تَرْجِعُ المَرْأَةُ اليَوْمَ إلى رُشْدِهَا، لِتَعُودَ إلى بَيْتِهَا لِتُرَبِّيَ رِجَالَاً كَمَا رَبَّتْ غَيْرُهَا رِجَالَاً؟

مَنِ الذي رَبَّى أَئِمَّةَ هَذَا الدِّينِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ؟

مَنِ الذي رَبَّى الأَتْقِيَاءَ وَالصُّلَحَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ؟

مَنِ الذي رَبَّى العُلَمَاءَ عُلَمَاءَ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ؟

مَنِ الذي رَبَّى رِجَالَاً صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ؟

إِنَّهَا المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ التي الْتَزَمَتْ كِتَابَ اللهِ تعالى، الْتَزَمَتْ قَوْلَهُ تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلَاً مَعْرُوفَاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرَاً﴾.

وَلَكِنْ الذي يَبْعَثُ فِينَا الأَمَلَ قَوْلُ سَيِّدِ الخَلْقِ وَحَبِيبِ الحَقِّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» رواه الإمام مسلم عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْهُمْ. آمين.

**     **     **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 1/ ذو القعدة /1438هـ، الموافق: 24/تموز / 2017م

 2017-07-27
 2563
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

12-02-2021 130 مشاهدة
173ـ يا أيها السارد في الظلم

يَا مَنْ تَسْتَقْبِلُونَ شَهْرَ رَجَبٍ الفَرْدَ، هَذَا الشَّهْرُ الذي جَعَلَهُ اللهُ تعالى مِنَ الأَشْهُرِ الحُرُمِ التي قَالَ اللهُ تعالى فِيهَا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ... المزيد

 12-02-2021
 
 130
14-01-2021 241 مشاهدة
172ـ العلاقة بين الرجولة وتعلق القلب بالمساجد

السَّعِيدُ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالمَسَاجِدِ، لِأَنَّ القُلُوبَ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِالمَسَاجِدِ ازْدَادَتْ إِيمَانًا وَهُدًى وَتَقْوَى؛ في المَسَاجِدِ يَتَرَبَّى الرِّجَالُ الكُمَّلُ، في المَسَاجِدِ تَكْمُلُ الشَّخْصِيَّاتُ، في المَسَاجِدِ ... المزيد

 14-01-2021
 
 241
15-12-2020 296 مشاهدة
171ـ نحن مغمورون بنعمة الله تعالى

إِنَّ مِنْ أَنْفَعِ القُرُبَاتِ، وَمِنْ أَهَمِّ الوَاجِبَاتِ عَلَى العِبَادِ تُجَاهَ خَالِقِهِمْ، شُكْرَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، وَعَلَى سَائِرِ أَحْوَالِهِمْ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَتَجَاهَلَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ ... المزيد

 15-12-2020
 
 296
19-11-2020 517 مشاهدة
170ـ كيف القدوم على الله تعالى؟

نَحْنُ نَعِيشُ أَيَّامًا كَثُرَتْ فِيهَا الغَفْلَةُ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَثُرَ فِيهَا الاشْتِغَالُ بِالآخَرِينَ، وَنَسِينَا أَنْفُسَنَا إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ تعالى. ... المزيد

 19-11-2020
 
 517
16-10-2020 122 مشاهدة
169ـ مهلًا يا طالب العلم (2)

أولًا: وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا جُمِعَت القُلُوبَ عَلَيْكَ. ثانيًا: الوَعْظُ وَالإِرْشَادُ وَالنُّصْحُ وَالخُطْبَةُ وَالإِفْتَاءُ عِبَادَةٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الإِخْلَاصِ. ثالثًا: قَبْلَ الوَعْظِ وَالإِرْشَادِ وَالنُّصْحِ ... المزيد

 16-10-2020
 
 122
17-09-2020 168 مشاهدة
168ـ مهلًا يا طالب العلم

يَا طَالِبَ العِلْمِ، يَا أَيُّهَا الوَاعِظُ، يَا أَيُّهَا النَّاصِحُ، يَا أَيُّهَا الخَطِيبُ، يَا أَيُّهَا المُدَرِّسُ، يَا أَيُّهَا المُفْتِي، يَا مَنْ تُصْغِي لَكَ القُلُوبُ، وَيُنْصِتُ لَكَ السَّامِعُ، مَهْلًا، وَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ قَلْيلًا. ... المزيد

 17-09-2020
 
 168

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5303
المقالات 2766
المكتبة الصوتية 4062
الكتب والمؤلفات 18
الزوار 396445327
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2021 
برمجة وتطوير :