19ـ كلمة شهر رمضان المبارك 1429هـ: يا صاحب القلب المجروح

19ـ كلمة شهر رمضان المبارك 1429هـ: يا صاحب القلب المجروح

 

كلمة شهر رمضان المبارك 1429هـ: يا صاحب القلب المجروح

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيا صاحب القلب المجروح، هذا شهر رمضان المبارك قد أقبل، وقد فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وسُلْسِلَت الشياطين، فضع نصب عينيك قول الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون}.

يا صاحب القلب المجروح اجعل حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم نصب عينيك واقتد به صلى الله عليه وسلم، انظر إليه صلى الله عليه وسلم يوم الطائف عندما دخل بستان ابني ربيعة، وهو تحت الشجرة يناشد ربه بقوله: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُني، أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتَك أوسعُ لي، أعوذُ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحلَّ عليَّ غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

يا صاحب القلب المجروح انظر إلى حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يقول عند الكرب: (لا إِلَهَ إِلا الله الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لا إِلَهَ إِلا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لا إِلَهَ إِلا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

يا صاحب القلب المجروح انظر إلى حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يقول إذا دَهَمَه أمر بعد أن يرفع رأسه صلى الله عليه وسلم: سبحان الله العظيم، اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُّكْلان، يا حيُّ يا قيُّوم.

اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ.

اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ.

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ.

اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. الله الله ربي لا أشرك به شيئاً.

يا صاحب القلب المجروح تعلَّم من سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كثرت همومك أن تقول: (اللهمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي).

يا صاحب القلب المجروح تعلَّم من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتوجَّه إلى الله بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: (اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِنِّي قَدْ تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى، اللهمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ).

يا صاحب القلب المجروح، تذكَّر قول مولانا عز وجل: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}، فإليه المفزع عند الكروب، علينا أن ندعوه في الشدة والرخاء، وفي السرَّاء والضرَّاء، ونفزع إليه في الملمَّات، ونتوسَّل إليه في الكرُبات بحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبأسمائه الحسنى وبصفاته العلى.

يا صاحب القلب المجروح، تذكَّر بأن القدر محتوم كائن لا محالة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولكن لا تنس قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار}. ولا تنس قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون}.

يا صاحب القلب المجروح، طبيعة هذه الحياة الدنيا أنَّها مليئة بالمنغِّصات، وأن نعيمها ممزوج بالمكدِّرات، حتى لا يركنَ الإنسانُ إليها، وحتى يكونَ طمعُهُ في الآخرة، فالآخرة خيرٌ وأبقى، فمن أُصيب هنا وصبَرَ كوفئ هناك، ومن تعب هنا استراح هناك، ومن حزن هنا فرح هناك.

يا صاحب القلب المجروح هل تعلم بأن ربنا عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟)، فعليك بالسَحَر لتسمع بقلبك ربك وهو يقول: (أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ).

يا صاحب القلب المجروح هل تعلم بأن أقرب ما يكون العبدُ من ربِّه في سجوده، وإذا قام يصلي في ثلث الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى في تلك الساعة فكنْ. فكنْ من الساجدين في جوف الليل الآخر وأكثر فيه من الدعاء.

يا صاحب القلب المجروح ابدأ دعاءك بتحميد الله والثناء عليه، ثم صلِّ على الحبيب الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ادع بعد ذلك ما تشاء، ثم اختتم دعاءك بالتأمين.

يا صاحب القلب المجروح أدم قَرْعَ بابِ مولاك، وكنْ على يقين بأن دعاءك مستجاب، فإما أن يُعَجَّل لك في الدنيا، وإما أن يُدَّخر لك في الآخرة، وإما أن يُكَفَّر من ذنوبك بقدرِ ما دعوتَ.

يا صاحب القلب المجروح ادع الله لأخيك بظهر الغيب، فإن المَلَكَ يؤمِّن على دعائك ويقول: ولك ذلك بمثل.

اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أن تفرِّج كربَ كلِّ مكروبٍ، وتشفي كلَّ المرض عن المرضى، وتنفث كل الهموم عن المهمومين، وأن تعطي كل واحد من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سؤله يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

لا تنسني من دعوة صالحة يا أخي الكريم.

أخوكم أحمد شريف النعسان

 2008-09-01
 6003
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

23-01-2023 143 مشاهدة
197ـ أيها المغرور عمرك قصير

الحَيَاةُ الدُّنْيَا دَارُ لَهْوٍ وَلَعِبٍ، وَدَارُ اخْتِبَارٍ وَابْتِلَاءٍ، وَدَارُ مَمَرٍّ لَا مَقَرٍّ، وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ ... المزيد

 23-01-2023
 
 143
30-12-2022 165 مشاهدة
196ـ مسايرة الواقع جريمة

مِنْ عَلَامَاتَ تَوْفِيقِ اللهِ تعالى لِعَبْدِهِ، أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَنْ يَرْزُقَهُ اليَقَظَةَ وَالتَّنَبُّهَ في حَيَاتِهِ الدُّنْيَا، فَلَا تَرَاهُ إِلَّا حَذِرًا مُحَاسِبًا نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الزَّيْغِ ... المزيد

 30-12-2022
 
 165
16-12-2022 148 مشاهدة
195ـ لا يكن إيمانك إيمان هوى

مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، الإِيمَانُ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ، وَالرِّضَا عَنِ اللهِ تعالى بِأَحْكَامِهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فِيمَا يَبْدُو ذَلِكَ. أَمَّا الرِّضَا عَنِ اللهِ تعالى في عَطَائِهِ ... المزيد

 16-12-2022
 
 148
06-11-2022 222 مشاهدة
194ـ وصية أيام المحن

نِعَمُ اللهِ تعالى عَلَيْنَا كَثِيرَةٌ وَغَزِيرَةٌ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا أَنْ جَعَلَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ، وَأَكْرَمَنَا بِدِينٍ كَامِلٍ، وَشَرْعٍ شَامِلٍ، وَقَوْلٍ فَصْلٍ، وَقَضَاءٍ عَدْلٍ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ حَصَلَ عَلَى ... المزيد

 06-11-2022
 
 222
25-09-2022 200 مشاهدة
193ـ جيل رباه سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2)

هَذَا هُوَ شَهْرُ الرَّبِيعِ أَطَلَّ عَلَى الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِيَرْبِطَهَا بِنَبِيِّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلِتَنْظُرَ إلى الجِيلِ الذي رَبَّاهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ... المزيد

 25-09-2022
 
 200
29-08-2022 227 مشاهدة
192ـ جيل رباه سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1)

جِيلٌ بِأَكْمَلِهِ رَبَّاهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَسْبِقْ لِنَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ رَبَّى جِيلًا بِأَكْمَلِهِ، كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ ... المزيد

 29-08-2022
 
 227

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5574
المقالات 3041
المكتبة الصوتية 4441
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 408699512
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2023 
برمجة وتطوير :