26ـ نحو أسرة مسلمة: دروس وعبر من قصة سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه

26ـ نحو أسرة مسلمة: دروس وعبر من قصة سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

خلاصة الدرس الماضي:

فقد ذكرنا في الدروس الماضية بأنَّ ظاهرة الكذب قد تفشَّت في الأبناء وانتشرت انتشاراً كبيراً، وقلنا بأنَّه يجب علينا أن نُعير هذه الظاهرة اهتمامنا، من أجل سلامة أبنائنا في الدنيا والآخرة، لأننا مسؤولون عنهم يوم القيامة.

وقد خلصنا إلى نتيجة في الدرس الماضي بأنَّ الصادق مبتلى، ولكنَّ عاقبته حميدة بإذن الله تعالى، وأنَّ الكاذب مستدرج وعاقبته وخيمة، وما ينبغي أن يُخدع أحدنا بالعبد المستدرج، كما ينبغي أن لا يقنط العبد المبتلى.

فالكذب قد يرفع العبد لحظة ولكنَّ نهايتَه الوضع، والصدق قد يخفض العبد ولكنَّ نهايتَه الرفع، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: (لأن يضعني الصدق وقلَّما يضع، أحب إليَّ من أن يرفعني الكذب وقلَّما يفعل).

وقلنا: يجب علينا أن نكون قدوة صالحة لأبنائنا، فلا يسمعون منا إلا صدقاً، ولا يرون منا إلا صدقاً، لأنَّه عارٌ كبيرٌ على الأبوين أن يغرسا في نفوس أبنائهم الكذب من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، ومن ظنَّ أنَّ الأبناء لا ينتبهون لذلك فقد أخطأ الظن.

سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه:

وقد وعدتكم في نهاية الدرس الماضي أن أحدثكم عن سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه، هذا الصحابي الجليل الذي ضرب لنا أروع مثل في صدقه مع شدة الابتلاء الذي أصابه بسبب صدقه.

التسويل والتسويف يضران:

يقول سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل رواه البخاري ومسلم، جاء فيه: (كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، وَالله مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ).

ما أجمل الصدق في حياة المسلم، فإذا وقعت في خطأ فإيَّاك والتبرير، لأنَّه لا يُنجي العبدَ من التقصير إلا الصدق.

يتابع سيدنا كعب قوله: (وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ ـ أي لن يعوقني شيء من سرعة التجهز ـ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ ـ أي خرجوا وفاتوا ـ فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لي).

أيها الإخوة: نتيجة التسويل والتسويف حسرة وندامة، لذلك يقول الله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}. فلا تؤجل الطاعة إذا جاء وقتها، لأنك لا تدري ما هو المقدَّر عليك، لذلك ورد عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قوله: (احرز لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) أورده ابن حجر في المطالب العالية اهـ.

سوِّل وسوِّف في أمور الدنيا ولا حرج عليك، ولكن احذر التسويل والتسويف في أمور دينك، لأنَّه من الشيطان، وتذكر قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم.

التقوى فرقان:

ثم يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْزُنُنِي أَنِّي لا أَرَى لِي أُسْوَةً إِلا رَجُلاً مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ الله مِنْ الضُّعَفَاءِ).

النعمة العظمى أن يكون عندك نور الفرقان حيث تفرق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والمنافق، يقول الله تعال: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}.

لذلك كان سيدنا كعب رضي الله عنه من أهل التقوى، فكان يرى بنور التقوى تقصيره الذي أحزن قلبه، وهذا من الإيمان، فالمؤمن تسرُّه طاعته وتحزنه معصيته.

احذر مداخل الشيطان:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي).

إذا ضاقت عليك الأسباب، وشعرت بنفسك بأنَّ عقوبة ستقع عليك بسبب التقصير فاحذر الكذب، وكن صادقاً مع نفسك حتى تبقى كبيراً في ذاتك وحتى لا تقع في صراع داخلي، وتذكَّر قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ}. فاحذر في ساعات الهمِّ النفس الأمَّارة بالسوء، واحذر شياطين الإنس والجن، لأنَّهم يأمرونك بمعصية الله، وأصغِ إلى الوازع الإيماني من قلبك تسعد بإذن الله تعالى، مع استشارة أهل التقى والصلاح في ساعات الهم والكرب والضيق، فهم إخوان الصدق. نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا منهم.

تَكَلَّف الصدق ولو أتعبك:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ).

عليك بالصدق وإن أتعبك، فإنه يريح قلبك، والمعول عليه راحة القلب، وراحة القلب لا تكون إلا بالإيمان، والصدق من الإيمان، يقول تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب}. ومن ذكر الله تعالى في أحواله صدق، ومن صدق ارتاح قلبه، والسعادة في راحة القلب.

ماذا ستقول لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غداً؟

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (وَصَبَّحَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى الله، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إِنِّي وَالله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لأرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله، وَالله مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، وَالله مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فِيكَ).

هل تستطيع أن تستحضر هذا الموقف في جميع شؤونك أمام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل تعلم أنَّ أعمالنا تعرض على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل تحفظ قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حياتي خير لكم تحدثون ونحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم) رواه الديلمي؟ هل ترضى أن ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إليك تبسُّمَ المُغضب لا قدَّر الله؟

انظر إلى هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه الذي كان يراقب الله عز وجل الذي يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الذي كان همه رضا الله عز وجل أولاً، الذي كان يعلم بأن حسابه على الله القائل: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُم * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}.

هذا الصحابي رضي الله عنه علَّمَنا قول الصدق، والصادق يجب عليه أن يدفع ثمن صدقه وخاصة إذا كان مقصراً، لأنَّه يستحضر قول الله عز وجل: {قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}.

علمنا رضي الله عنه أنَّ الصادق مبتلى، ولا يسع العبد المبتلى إلا الصبر، ومهما كان الأمر فإن عاقبة الصابر الرفع في الدنيا قبل الآخرة.

عليك بالثبات على الحق يا مبتلى:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي: وَالله مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ. قَالَ: فَوَالله مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ، قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي.

قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ).

لا بدَّ من الصبر، لأنَّه لو تُرك الناس لدعوى الإسلام ومحبة الله تعالى على اللسان فقط لاستوى الصادق والكاذب، ولكن الفتنة والابتلاء هما الميزان الذي يميِّز الصادق من الكاذب، وصدق الله تعالى القائل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون}. والقائل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيب}.

الابتلاء يدفعك لمزيد الطاعة:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ أَمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي).

هناك من يأتيه الابتلاء فيعرض عن طاعة الله عز وجل، وينطبق عليه قول الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين}. الابتلاء لا يغيِّر من عبوديتك لله شيئاً، بل على العكس من ذلك يزيدك التصاقاً بعبوديتك لله عز وجل، لأنَّه أين المفر؟

بمقدار الإيمان يشتد البلاء:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ وَكُنْتُ كَاتِبًا فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ الله بِدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضَا مِنْ الْبَلاءِ، فَتَيَمَمْتُ بِهَا التنورَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا. حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنْ الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لا بَلْ اعْتَزِلْهَا فَلا تَقْرَبَنَّهَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فِي هَذَا الْأَمْرِ).

يقول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه الإمام أحمد. ويقول صلى الله عليه وسلم: (يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) رواه الإمام أحمد.

فكن على حذر من الفتنة أثناء الابتلاء، لأنَّ شياطين الإنس والجن يُغرونك في ساعة الابتلاء ويتربَّصون بك الدوائر حتى تفتن في دينك، ويدخلون عليك من خلال نفسك الأمَّارة بالسوء وطبيعتك البشرية التي تحب المال والجاه وأعراض الدنيا، فكن على حذر.

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلامِنَا، قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي وَأَوْفَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، وَالله مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا).

كن على يقين أيُّها الصادق بأن مع العسر يسراً، إنَّ مع العسر يسراً، ولن يغلب عسر يسرين كما جاء في الحديث عن سيدنا رسول الله صلى لله عليه وسلم: (مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مُنْزَلِ شِدَّةٍ يَجْعَلْ الله بَعْدَهُ فَرَجًا وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) رواه الإمام مالك.

كن على يقين بأن بعد الضيق الفرجَ، وبعد المحنة منحة، كن على يقين بأنَّ الله ما قَلاك في الامتحان، ولكن ليميز الخبيث من الطيب.

اللقاء مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَالله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ، وَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ الله أَمْ مِنْ عِنْدِ الله؟ فَقَالَ: لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله).

هذا هو الفوز العظيم، أن تكون خاتمك حسنة، أن تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه الشريف وهو يبرق سروراً، ويقول للأشهاد يوم القيامة: هذا واحد من أمتي صدق واستقام مع شدة الابتلاء.

كم هو الفارق بين تبسّم المغضب وبين تبسم الذي يتهلل وجهه سروراً بأنَّك ما بدَّلت وما غيَّرت مع شدة المحن، قال تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}. هذا غاية ما يتمنّاه العبد المؤمن، أن يقول عند سكرات الموت: واطرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه.

هذا غاية ما يتمناه العبد المؤمن، أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنه، لأنَّ رضاه من رضا الله عز وجل. أسأل الله تعالى أن يكرمنا بذلك.

عرفت فالزم:

يقول سيدنا كعب رضي الله عنه: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى الله وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ. قَالَ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الله إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ. قَالَ: فَوَالله مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلاهُ الله فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلانِي الله بِهِ، وَالله مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي الله فِيمَا بَقِيَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ}.حَتَّى بَلَغَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.

قَالَ كَعْبٌ: وَالله مَا أَنْعَمَ الله عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي الله لِلْإِسْلامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ الله قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، وَقَالَ الله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَاعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.

قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ:{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ الله مِمَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفَنَا عَنْ الْغَزْوِ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ).

خذها خلاصة عن كلام سيدنا كعب رضي الله عنه: (وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَالله مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلاهُ الله فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلانِي الله بِهِ، وَالله مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي الله فِيمَا بَقِيَ).

فكن صادقاً حتى يأتيك اليقين مهما كلَّفك الثمن لأنَّ النتيجة سوف تقولها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيه * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة * فِي جَنَّةٍ عَالِيَة * قُطُوفُهَا دَانِيَة * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة}.

اثبت على الصدق حتى النهاية وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (عَرَفتَ فَالْزَم) رواه ابن أبي شيبة.

خاتمة

علينا أيها الإخوة الأحبة أن نلقِّن أبناءنا الصدق بحالنا وقالنا، علينا أن لا نتناقض في حياتنا السلوكية، علينا أن تتطابق أقوالنا مع أفعالنا حتى نؤثر في نفوس أبنائنا.

اللهم اجعلنا من الصادقين، واكتبنا من الصديقين، واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

** ** **

 

 2008-11-05
 2675
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3547 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3547
21-01-2018 4311 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4311
14-01-2018 3123 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3123
08-01-2018 3479 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3479
31-12-2017 3613 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3613
24-12-2017 3213 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3213

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5547
المقالات 3024
المكتبة الصوتية 4405
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 407852223
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :