23ـ فرائض الوضوء (4)

23ـ فرائض الوضوء (4)

23ـ فرائض الوضوء (4)

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: ذَكَرْنَا في الدَّرْسِ السَّابِقِ فَرَائِضَ الوُضُوءِ المُخْتَلَفِ فِيهَا، وَقُلْنَا بِأَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الوُضُوءِ وَفَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِهِ، عِنْدَ جُمْهُورِ الفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالمَالِكِيَّةِ وَالحَنَابِلَةِ، أَمَّا الحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا بِسُنِّيَّةِ النِّيَّةِ، فَمَنْ تَوَضَّأَ بِدُونِ نِيَّةٍ صَحَّ وُضُوؤُهُ، وَلَكِنْ لَا يُؤْجَرُ عَلَى هَذَا الوُضُوءِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، فَلْيَكُنِ الإِنْسَانُ حَرِيصَاً عَلَى النِّيَّةِ لِيَنْقَلِبَ الوُضُوءُ إلى عِبَادَةٍ.

وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ للمُوَالَاةِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الفُقَهَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ المُوَالَاةَ سُنَّةٌ، وَعِنْدَ المَالِكِيَّةِ وَالحَنَابِلَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الوُضُوءِ، وَوَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِهِ.

ثالثاً: التَّرْتِيبُ:

التَّرْتِيبُ، وَمَعْنَاهُ تَطْهِيرُ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ وَاحِدَاً بَعْدَ وَاحِدٍ حَسْبَ التَّرْتِيبِ الوَارِدِ في النَّصِّ القُرْآنِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.

اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ في حُكْمِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَو سُنَّةٌ؟

ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ إلى أَنَّ التَّرْتِيبَ في الوُضُوءِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَقَالُوا: الآيَةُ أَدْخَلَتِ المَسْحَ بَيْنَ الغَسْلَيْنِ، وَقُطِعَ حُكْمُ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ ـ يَعْنِي قُطِعَ غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِالمَسْحِ ـ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إِيجَابَ التَّرْتِيبِ، وَلَو لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ وَاجِبَاً لَمَا قُطِعَ النَّظِيرُ عَنْ نَظِيرِهِ.

وَقَالُوا: كُلُّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَكَاهُ مُرَتَّبَاً مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَكَثْرَةِ المَوَاطِنِ التي حَكَوْهَا، وَفِعْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَيَانٌ للوُضُوءِ المَأْمُورِ بِهِ في الآيَةِ.

وَقَالُوا: الوُضُوءُ عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَوَجَبَ فِيهَا التَّرْتِيبُ.

وَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ وَالمَالِكِيَّةُ إلى أَنَّ التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ، وَلَيْسَ مِنْ أَرْكَانِهِ وَلَا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، لِأَنَّ اللهَ تعالى ذَكَرَ آيَةَ الوُضُوءِ، وَأَمَرَ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالوَاوِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ المُتَوَضِّئُ أَعْضَاءَهُ كَانَ مُمْتَثِلَاً لِأَمْرِ اللهِ تعالى، وَلَو كَانَ التَّرْتِيبُ مَقْصُودَاً لَعَطَفَهُ بِالفَاءِ، أَو بِثُمَّ.

روى الإمام البخاري عَنْ حُمْرَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَاً وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَاً، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثَاً، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

 وَقَالُوا: الوُضُوءُ طَهَارَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا تَرْتِيبٌ كَالجَنَابَةِ، وَكَتَقْدِيمِ اليَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ.

وروى الدارقطنيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هِنْدَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا أُبَالِي إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ.

رابعاً: الدَّلْكُ:

الدَّلْكُ، وَمَعْنَاهُ: إِمْرَارُ اليَدِ عَلَى العُضْوِ بَعْدَ صَبِّ المَاءِ عَلَيْهِ وَقَبْلَ جَفَافِهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ في حُكْمِ الدَّلْكِ في الوُضُوءِ، هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَمْ سُنَّةٌ؟

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ ـ الحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ ـ إلى أَنَّ الدَّلْكَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ، وَقَالُوا: آيَةُ الوُضُوءِ لَمْ تَأْمُرْ بِالدَّلْكِ، وَلَمْ يَثْبُتِ الدَّلْكُ بِالسُّنَّةِ.

وَلِأَنَّ الذينَ رَوَوُا وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ التَّدْلِيكَ.

وَذَهَبَ المَالِكِيَّةُ إلى أَنَّ التَّدْلِيكَ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ الوُضُوءِ، وَقَالُوا: إِنَّ مُجَرَّدَ إِصَابَةِ المَاءِ العُضْوَ لَا يُعَدُّ غَسْلَاً لَهُ، وَقَاسُوا طَهَارَةَ الحَدَثِ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالدَّلْكِ.

وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ اسْتِيعَابُ المَاءِ للأَعْضَاءِ المَطْلُوبِ غَسْلُهَا بِمُجَرَّدِ الغَسْلِ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الاسْتِيعَابُ إِلَّا بِالدَّلْكِ عِنْدَهَا يُصْبِحُ الدَّلْكُ وَاجِبَاً، وَخَاصَّةً العَقِبَ في الشِّتَاءِ خَاصَّةً، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

هذا، والله تعالى أعلم.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُفَقِّهَنَا في الدِّينِ، وَيُعَلِّمَنَا التَّأْوِيلَ، وَيَرْزُقَنَا العَمَلَ بِمَا نَعْلَمُ. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 16/ جمادى الآخرة /1441هـ، الموافق: 10/شباط / 2020م

 2020-06-10
 1181
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  الفقه الإسلامي

26-10-2020 506 مشاهدة
32ـ نواقض الوضوء (1)

النَّوَاقِضُ جَمْعُ نَاقِضٍ أَو نَاقِضَةٍ. يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ في الأَجْسَامِ، وَفي المَعَانِي، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ في الأَجْسَامِ فَالمُرَادُ بِهِ: إِبْطَالُ تَأْلِيفِهَا، كَنَقْضِ الحَائِطِ. وَإِذَا اسْتُعْمِلَ في المَعَانِي كَانَ ... المزيد

 26-10-2020
 
 506
19-10-2020 1614 مشاهدة
31ـ مكروهات الوضوء

مَكْرُوهَاتُ الوُضُوءِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ نَوْعَانِ، مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَهُوَ مَا كَانَ إلى الحَرَامِ أَقْرَبَ، وَتَرْكُهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ المُرَادُ عِنْدَهُمْ حَالَةَ الإِطْلَاقِ. وَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَهُوَ مَا كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى ... المزيد

 19-10-2020
 
 1614
12-10-2020 398 مشاهدة
30ـ الحكم التكليفي وأقسامه

الحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ يَنْقَسِمُ إلى أَنْوَاعٍ خَمْسَةٍ: الأَوَّلُ: الفَرْضُ: هُوَ مَا طَلَبَ الشَّارِعُ فِعْلَهُ مِنَ المُكَلَّفِ طَلَبًا حَتْمًا وَمُلْزِمًا، وَيَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ الإِتْيَانُ بِهِ، وَيُثَابُ فَاعِلُهُ، وَيُعَاقَبُ ... المزيد

 12-10-2020
 
 398
05-10-2020 303 مشاهدة
29ـ سنن الوضوء (6)

لَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَنَا في الدُّرُوسِ المَاضِيَةِ بَعْضًا مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ، وَهِيَ النِّيَّةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ التَّسْمِيَةُ، ثُمَّ غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى الرُّسْغَيْنِ، ثُمَّ المَضْمَضَةُ، ثُمَّ الاسْتِنْشاقُ، ثُمَّ الاسْتِنْثَارُ، ... المزيد

 05-10-2020
 
 303
22-09-2020 383 مشاهدة
28ـ سنن الوضوء (5)

قَدْ ذَكَرْنَا في الدُّرُوسِ المَاضِيَةِ بَعْضًا مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ، وَهِيَ النِّيَّةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ التَّسْمِيَةُ، ثُمَّ غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى الرُّسْغَيْنِ، ثُمَّ المَضْمَضَةُ، ثُمَّ الاسْتِنْشاقُ، ثُمَّ الاسْتِنْثَارُ، ... المزيد

 22-09-2020
 
 383
11-06-2020 850 مشاهدة
27ـ سنن الوضوء (4)

لَقَدْ ذَكَرْنَا في الدُّرُوسِ المَاضِيَةِ بَعْضًا مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ، وَهِيَ النِّيَّةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ التَّسْمِيَةُ، ثُمَّ غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى الرُّسْغَيْنِ، ثُمَّ المَضْمَضَةُ، ثُمَّ الاسْتِنْشاقُ، ثُمَّ الاسْتِنْثَارُ، ... المزيد

 11-06-2020
 
 850

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5377
المقالات 2865
المكتبة الصوتية 4200
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 403206156
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2021 
برمجة وتطوير :