790ـ خطبة الجمعة: صلة الرحم سبب للرزق

790ـ خطبة الجمعة: صلة الرحم سبب للرزق

790ـ خطبة الجمعة: صلة الرحم سبب للرزق

مقدمة الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: مِنَ الأَسْبَابِ المُؤَدِّيَةِ إلى كَثْرَةِ المَالِ وَالرِّزْقِ وَالبَرَكَةِ فِيهِ صِلَةُ الرَّحِمِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رواه الإمام البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

يَا عِبَادَ اللهِ: قَدْ تَسْتَغْرِبُونَ إِذَا وَجَدْتُمْ بَعْضَ المُسْلِمِينَ قَدْ يَفْتَحُ اللهُ لَهُمْ أَبْوَابًا تِلْوَ أَبْوَابٍ مِنَ الرِّزْقِ وَهُمْ قَلِيلُو النَّشَاطِ، ضَعِيفُو الخِبْرَةِ قِيَاسًا بِغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الخِبْرَةِ وَالنَّشَاطِ، وَلَكِنَّكُمْ إِذَا فَتَّشْتُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَجَدْتُمُوهُمْ مِمَّنْ يَصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ.

وَلَا تَسْتَغْرِبُوا مِنْ بَعْضِ العُصَاةِ وَالفُسَّاقِ، بَلْ وَمِنْ بَعْضِ الفَجَرَةِ قَدْ تَنْمُو أَمْوَالُهُمْ بِسَبَبِ صِلَةِ أَرْحَامِهِمْ، روى الترمذي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ».

وروى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ لِيَكُونُونَ فَجَرَةً، فَتَنْمُو أَمْوَالُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إِذَا تَوَاصَلُوا، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَتَوَاصَلَونَ فَيَحْتَاجُونَ».

سَعَةُ الرِّزْقِ مَرْبُوطَةٌ بِصِلَةِ الرَّحِمِ:

يَا عِبَادَ اللهِ: أَرْزَاقُنَا بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَنْ أَطَاعَ مَوْلَاهُ بَارَكَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَجَاءَهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِالعَبْدِ خَيْرًا بَارَكَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَكَتَبَ لَهُ الخَيْرَ فِيمَا أَوْلَاهُ مِنَ النِّعَمِ، وبَارَكَ لَهُ في مَالِهِ، وَفي عِيَالِهِ، وَفي وَقْتِهِ، وَفي جَمِيعِ شُؤُونِهِ، وَإِذَا فَتَحَ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهَا، وَإِذَا أَغْلَقَهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَفْتَحَهَا.

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ التي تَفْتَحُ أَبْوَابَ الرَّحَمَاتِ وَالبَركَاتِ صِلَةَ الأَرْحَامِ، وَوَاللهِ إِنَّ صِلَتَهَا نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ تعالى، وَرَحْمَةٌ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ، فَمَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللهُ وَبَارَكَ لَهُ في رِزْقِهِ وَوَسَّعَ عَلَيْهِ في عَيْشِهِ.

يَا عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ مَدَحَ اللهُ تعالى وَاصِلِي الأَرْحَامِ، فَقَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.

وَذَمَّ القَاطِعِينَ ذَمًّا شَدِيدًا، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

وَقَالَ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

يَا عِبَادَ اللهِ، صِلُوا أَرْحَامَكُمْ إِذَا أَرَدْتُمْ سَعَةَ الأَرْزَاقِ، وَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْ قَطْعِهَا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ، وَاسْمَعُوا الحَدِيثَ الشَّرِيف الذي رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ».

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَأقرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾».

وَاسْمَعُوا وَصِيَّةَ نَبِيِّنَا سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصِلَةِ أَرْحَامِنَا. آمين.

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

**    **    **

تاريخ الخطبة:

الجمعة: 21/ ربيع الآخر /1443هـ، الموافق: 26/ تشرين الثاني / 2021م

 2021-11-26
 2510
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  خطب الجمعة

03-02-2023 102 مشاهدة
853ـ خطبة الجمعة: لذة الإيمان

لَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ لَذَّةَ الإِيمَانِ تُعْطِي المُؤْمِنِينَ أَعْظَمَ وَسِيلَةٍ للسُّرُورِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَتَجْعَلُ حَيَاتَهُمْ طَيِّبَةً، لَذَّةُ الإِيمَانِ قَالَ عَنْهَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ ... المزيد

 03-02-2023
 
 102
27-01-2023 469 مشاهدة
852ـ خطبة الجمعة: ظلم الجار في الأشهر الحرم

إِنَّ اللهَ تعالى قَدْ حَثَّ وَحَضَّ عَلَى تَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ، وَيَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وَقَدْ أُضِيفَتِ التَّقْوَى إلى القُلُوبِ، لِأَنَّ القَلْبَ ... المزيد

 27-01-2023
 
 469
20-01-2023 500 مشاهدة
851ـ خطبة الجمعة: ما زال جبريل يوصيني بالجار

إِنَّ اللهَ تعالى الذي خَاطَبَ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ يُوصِيهِ سَيِّدُنَا ... المزيد

 20-01-2023
 
 500
12-01-2023 1273 مشاهدة
850ـ خطبة الجمعة: أثر الإيمان في حياة الإنسان

الإِيمَانُ بِاللهِ تعالى لَهُ طَعْمٌ وَحَلَاوَةٌ، وَلَهُ مَذَاقٌ خَاصٌّ جَمِيلٌ، كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ ... المزيد

 12-01-2023
 
 1273
06-01-2023 1335 مشاهدة
849ـ خطبة الجمعة: لا تغتر بالباطل

قَضَتْ سُنَّةُ اللهِ تعالى أَنَّ ذَوِي العِصْيَانِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ يُطِيعُ الرَّحْمَنَ، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ... المزيد

 06-01-2023
 
 1335
30-12-2022 1376 مشاهدة
848ـ خطبة الجمعة: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ مَنْ يَصْحَبُ المُجْتَمَعَ، وَبَيْنَ مَنْ يَصْحَبُهُ المُجْتَمَعُ، فَمَنْ صَاحَبَ المُجْتَمَعَ يَكُونُ مُحَافِظًا عَلَى شَخْصِيَّتِهِ السُّلُوكِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ، وَيَكُونُ مُؤَثِّرًا لَا مُتَأَثِّرًا. أَمَّا ... المزيد

 30-12-2022
 
 1376

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5572
المقالات 3041
المكتبة الصوتية 4441
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 408658371
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2023 
برمجة وتطوير :