845ـ خطبة الجمعة: أحسنوا ضيافة البلاء

845ـ خطبة الجمعة: أحسنوا ضيافة البلاء

845ـ خطبة الجمعة: أحسنوا ضيافة البلاء

مقدمة الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: مَا خُلِقْنَا في هَذَهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَّا للاخْتِبَارِ وَالابْتِلَاءِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾.

فَأَحْسِنُوا ضِيَافَةَ البَلَاءِ الذي جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ تعالى، فَهُوَ وَاللهِ عَابِرُ سَبِيلٍ، لَقَدْ عَافَانَا اللهُ تعالى أَعْوَامًا، وَابْتَلَانَا أَيَّامًا، فَأَحْسِنُوا ضِيَافَةَ البَلَاءِ، وَأَحْسِنُوا قِرَاهُ، حَتَّى إِذَا رَحَلَ إلى دَارِ الجَزَاءِ رَحَلَ مَادِحًا لَا قَادِحًا، رَحَلَ شَاهِدًا لَكُمْ لَا عَلَيْكُمْ، أَحْسِنُوا قِرَاهُ بِالصَّبْرِ وَالمُصَابَرَةِ، وَأَنْتُمْ تَسْتَحْضِرُونَ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ﴾.

وَقَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.

وَقَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.

عِلَاجُ وَاقِعِنَا المَرِيرِ:

يَا عِبَادَ اللهِ: الإِنْسَانُ المُؤْمِنُ الحَقُّ لَا تَزِيدُهُ المِحَنُ إِلَّا صَلَابَةً في دِينِهِ، وَلَا تَزِيدُهُ إِلَّا يَقِينًا بِوَعْدِ اللهِ تعالى الذي لَا يُخْلَفُ، المُؤْمِنُ الحَقُّ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، كَيْفَ يَعِيشُ حَيَاةَ اليَائِسِينَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَزَعْزَعَ إِيمَانُهُ، وَهُوَ يَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وَيَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾؟

كَيْفَ يَعِيشُ حَيَاةَ اليَائِسِينَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَزَعْزَعَ إِيمَانُهُ، وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ قَضَاءَ اللهِ تعالى وَقَدَرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، كَمَا عَلَّمَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

كَيْفَ يَعِيشُ حَيَاةَ اليَائِسِينَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَزَعْزَعَ إِيمَانُهُ، وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟

قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» رواه الترمذي عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ.

وَهُوَ الذي سَمِعَ الحَدِيثَ الذي رواه الشيخان عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟

قَالَ: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ».

قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟

قَالَ: «أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا».

كَيْفَ يَعِيشُ حَيَاةَ اليَائِسِينَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَزَعْزَعَ إِيمَانُهُ، وَهُوَ الذي سَمِعَ قَوْلَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»؟ رواه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

يَا عِبَادَ اللهِ: لَوْلَا البَلَاءُ لَمَا مُيِّزَ وَفُرِّقَ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَغَيْرِهِ ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

لَوْلَا البَلَاءُ لَانْقَلَبْنَا إلى دَارِ الجَزَاءِ مَفَالِيسَ، فَلَنَا في الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأُسْوَةُ وَالقُدْوَةُ، فَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً كَمَا بَيَّنَ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ.

وَاللهِ لَو نَظَرَ أَحَدُنَا إلى الغَيْبِ لَاخْتَارَ الوَاقِعَ، وَلَكِنْ لَا نَعْلَمُ، وَصَدَقَ اللهُ تعالى القَائِلُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

يَا عِبَادَ اللهِ: لِنَأْخُذْ بِأَسْبَابِ رَفْعِ البَلَاءِ بِصِدْقِ التَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ وَالرُّجُوعِ إلى اللهِ تعالى، وَلْنَصْبِرْ وَلْنَحْتَسِبْ، وَاللهِ رَبُّنَا رَحِيمٌ فَهُوَ القَائِلُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

عَالِجُوا وَاقِعَكُمُ المَرِيرَ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تُسْعَدُوا بِإِذْنِ اللهِ تعالى.

يَا غَارَةَ اللهِ جُدِّي السَّيْرَ مُسْرِعَةً في حَلِّ عُقْدَتِنَا يَا غَارَةَ اللهِ، عَدَتِ العَادُونَ وَجَارُوا وَرَجَوْنَا اللهَ مُجِيرًا، وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا، وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا. آمين.

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

**    **    **

تاريخ الخطبة:

الجمعة: 15/ جمادى الأولى /1444هـ، الموافق: 9/ كانون الأول / 2022م

 2022-12-09
 1775
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  خطب الجمعة

03-02-2023 354 مشاهدة
853ـ خطبة الجمعة: لذة الإيمان

لَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ لَذَّةَ الإِيمَانِ تُعْطِي المُؤْمِنِينَ أَعْظَمَ وَسِيلَةٍ للسُّرُورِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَتَجْعَلُ حَيَاتَهُمْ طَيِّبَةً، لَذَّةُ الإِيمَانِ قَالَ عَنْهَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ ... المزيد

 03-02-2023
 
 354
27-01-2023 571 مشاهدة
852ـ خطبة الجمعة: ظلم الجار في الأشهر الحرم

إِنَّ اللهَ تعالى قَدْ حَثَّ وَحَضَّ عَلَى تَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ، وَيَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وَقَدْ أُضِيفَتِ التَّقْوَى إلى القُلُوبِ، لِأَنَّ القَلْبَ ... المزيد

 27-01-2023
 
 571
20-01-2023 544 مشاهدة
851ـ خطبة الجمعة: ما زال جبريل يوصيني بالجار

إِنَّ اللهَ تعالى الذي خَاطَبَ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ يُوصِيهِ سَيِّدُنَا ... المزيد

 20-01-2023
 
 544
12-01-2023 1360 مشاهدة
850ـ خطبة الجمعة: أثر الإيمان في حياة الإنسان

الإِيمَانُ بِاللهِ تعالى لَهُ طَعْمٌ وَحَلَاوَةٌ، وَلَهُ مَذَاقٌ خَاصٌّ جَمِيلٌ، كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ ... المزيد

 12-01-2023
 
 1360
06-01-2023 1406 مشاهدة
849ـ خطبة الجمعة: لا تغتر بالباطل

قَضَتْ سُنَّةُ اللهِ تعالى أَنَّ ذَوِي العِصْيَانِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ يُطِيعُ الرَّحْمَنَ، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ... المزيد

 06-01-2023
 
 1406
30-12-2022 1442 مشاهدة
848ـ خطبة الجمعة: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ مَنْ يَصْحَبُ المُجْتَمَعَ، وَبَيْنَ مَنْ يَصْحَبُهُ المُجْتَمَعُ، فَمَنْ صَاحَبَ المُجْتَمَعَ يَكُونُ مُحَافِظًا عَلَى شَخْصِيَّتِهِ السُّلُوكِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ، وَيَكُونُ مُؤَثِّرًا لَا مُتَأَثِّرًا. أَمَّا ... المزيد

 30-12-2022
 
 1442

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5574
المقالات 3041
المكتبة الصوتية 4441
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 408735903
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2023 
برمجة وتطوير :