52ـ نحو أسرة مسلمة: المدين مرتهن بدينه حتى يُقضى عنه(1)

52ـ نحو أسرة مسلمة: المدين مرتهن بدينه حتى يُقضى عنه(1)

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

خلاصة الدرس الماضي:

فقد ذكرنا في الدروس الماضية بأن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران والعياذ بالله تعالى، وعملك هو قبرك، فإن كان عملك صالحاً وموافقاً للشريعة فقبرك روضة من رياض الجنة، وأما إذا كان عملك لا قدر الله سيئاً فقبرك لا قدر الله حفرة من حفر النيران، وأنت أنت أدرى بنفسك من غيرك، قال تعالى: {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه}.

وذكرنا بأن عذاب القبر له أسباب، من جملة هذه الأسباب: الغيبة والنميمة التي تفشت في صفوف المسلمين رجالا ًونساء، وقد تكلمنا عن ذلك مفصلاً، وأرجو الله عز وجل أن يوفِّقنا لأن نحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن نذكر الموت والبلى.

الميت مرتهن بدَيْنه:

وأما اليوم فحديثنا عن ظاهرة أخرى كذلك تفشت في المجتمع وانتشرت انتشاراً كبيراً، ألا وهي ظاهرة الدَّيْن، وينسى المدين بأنه يكون رهيناً في قبره حتى يُسدَّد عنه دينه.

عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُتِيَ بِالْجَنَازَةِ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الرَّجُلِ وَيَسْأَلُ عَنْ دَيْنِهِ، فَإِنْ قِيلَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَفَّ عَنِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَلَّى عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَلَمَّا قَامَ لِيُكَبِّرَ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ: «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ»؟ قَالُوا: دِينَارَانِ، فَعَدَلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَرِئَ مِنْهُمَا. فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَكَّ اللَّهُ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ إِلاَّ وَهُوَ مُرْتَهِنٌ بِدَيْنِهِ، وَمَنْ فَكَّ رِهَانَ مَيِّتٍ فَكَّ اللَّهُ رِهَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً».

الميت قد يكون عبداً صالحاً له من الأعمال الصالحات الشيء الكثير مما يجعل قبره بإذن الله تعالى روضة من رياض الجنة، إلا أنه قد يموت وعليه ديون ما قضاها قبل موته، أو ما كتبها في وصيته، أو ما أوصى ورثته بسداد ديونه، هذا العبد قد يرتهن في قبره فيحبس فيه عن النعيم الذي كان يتوقع أن يراه في قبره بسبب الديون.

لماذا ترهق ذمتك بالدين؟

وأنا أعجب أيها الإخوة ممن يرهق نفسه بالدين وخاصة إن كان غنياً، لأن الذي أراه أن الديون على الأغنياء أكثر من الديون التي على الفقراء، لأن الطمع دبَّ في القلوب، وقلَّما أن ترى إنساناً قانعاً بما آتاه الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لابْتَغَى ثَالِثًا، وَلا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ) رواه البخاري.

وإن طالبت الغني بسداد ديونه يقول لك: السيولة غير متوفرة، اصبر عليّ، لماذا هذا؟ أما علم العبد أنه لو مات فسيكون مرتهناً في قبره حتى تُسدَّد عنه ديونه؟

لا تقل: أولادي سيسرعون بسداد ديوني، لأن الأولاد ينظرون إلى والدهم، فعندما يجدون عنده الطمع فسيكون طمعهم أشد، وعندما يرون مورثهم يماطل في سداد ديونه فسيماطلون في سداد ديون مورِّثهم من باب أولى، ونسي الوارث والمورِّث قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) رواه البخاري ومسلم.

لا تقل: قد كتبت في وصيتي ما لي وما عليَّ، وأشهدت على تلك الوصية، وخاصة إذا كنت تعلم بأن ورثتك لا يبالون بهذه الوصية، فكم من ميت ترك ديوناً وترك وفاءً، ولكن الورثة ما سدَّدوا الديون التي على مورِّثهم منذ سنوات، وهذا المورِّث رهين في قبره.

كن حريصاً على نفسك:

يجب علينا أن يكون كلُّ واحد منا حريصاً على نفسه بأن يسدِّد ديونه بنفسه، أو أن يجعل رهناً عند الدائن ليسترد حقه بعد موته (موت الدائن)، وخاصة إن كان يعلم المدين بأن ورثته لا يبالون بسداد ديونه.

ومن حرصك على نفسك أن لا ترهق نفسك بالديون وأنت لا تدري متى ينتهي أجلك، وانظر إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كيف كان يعيش حياته في هذه الدنيا، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما أعلم وفيما قرأتُ بأنه كان يستدين من أجل أن يأكل أو يشرب، وكان صلى الله عليه وسلم يشد على بطنه الحجر والحجرين من شدة الجوع، وكان يمرُّ عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ولا يوقد في بيته صلى الله عليه وسلم نار، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدين من أجل أن يتصدَّق.

أما نحن اليوم: لا يشد أحدنا على بطنه الحِزام لأنه يجد ألم شدة الجوع، بل على العكس من ذلك، يحل الحِزام عن بطنه لشدة التخمة ولكثرة الطعام، حيث يأخذ الطعام من المعدة الأثلاث الثلاثة، التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

نحن اليوم نستدين للكماليات، وإذا طلبت منا الصدقة بدأنا نشكو ونبكي، بل الكثير لا يؤدي زكاة ماله والعياذ بالله تعالى.

أمور هامة يجب علينا أن نعلمها:

لذلك أقول: هناك أمور هامة يجب علينا أن نعلمها، وخاصة عندما تسوِّل لنا أنفسنا أن نستدين من أجل الكماليات لا من أجل الضروريات أو الحاجيات، ونحن لا نترك وفاءً.

أولاً: الدَّين يعدل الكفر:

روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْدَلُ الدَّيْنُ بِالْكُفْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَعَمْ).

نعم لقد عَدَل النبي صلى الله عليه وسلم بين الكفر والدَّين، لأن العبد إذا كفر بالله تعالى ضيَّع حق الله تعالى عليه بالتوحيد، لأنه جاء في الحديث الشريف عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا آخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعَاذُ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ)؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ)؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ) رواه البخاري ومسلم.

فبالكفر ضيَّع حق الله تعالى، وبالدَّين قد يضيِّع حقوق العباد، وذلك بإنكار أموالهم، أو بأكلها وإتلافها، ونسي هذا العبد قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}.

فنعوذ بالله من الكفر، ونعوذ بالله تعالى من الدَّين الذي هو همٌّ بالليل وذل بالنهار، هذا لمن كان حريصاً على سداد ديونه، وكان حريصاً على أموال الناس.

ثانياً: الدَّين ذُلٌّ للعبد:

روى الحاكم عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدَّين راية الله في الأرض، فإذا أراد أن يُذِّل عبداً وضعها في عنقه).

لماذا لا يصبر العبد المؤمن ويصابر نفسه على هذه الحياة الدنيا، وهو يعلم بأنه مخلوق فيها للابتلاء والاختبار، فقد يضيق عليه مولانا عز وجل ليرى منه الصبر، وقد يوسِّع عليه ليرى منه الشكر، قال تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَن}. الكل في ابتلاء، فإن كنت ميسور الحال فكن شاكراً، وإلا فكن صابراً، اصبر على نفسك ولا تطلب من الآخرين أن يصبروا عليك.

لا تجعل عنقك مشغولاً بحقوق العباد فتذل نفسك لهم، واستغن بالله عز وجل، لأنه ما بين غمضة عين وانتباهتها، يغير الله من حال إلى حال.

ثالثاً: الله تعالى مطَّلع على النوايا:

روى ابن ماجه عن صهيب الخير رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا).

الله تعالى علاَّم الغيوب، فما هي نيتك عندما تستدين، هل أنت ناوٍ في قلبك الوفاء أم لا؟

فإن كنت ناوياً الوفاء بصدق فإن الله تعالى لا يتخلى عنك، لأن من صدق اللهَ صدقه الله، ويقول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) رواه البخاري.

فإذا كانت النية عدم الوفاء، فإن الله تعالى سيتلف هذا العبد والعياذ بالله تعالى، ويلقى الله عز وجل وهو سارق، والسارق قطعاً ليس بطيب، والله تعالى طيِّب لا يقبل إلا طيباً، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب.

رابعاً: الدَّين يجعلك مُفلساً يوم القيامة:

روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ قُضِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ).

هل حسناتك رخيصة عليك بحيث تعطيها لرجل مقابل مئة ليرة سورية؟ حسناتك سبب من أسباب دخول جنة عرضها السماوات والأرض، سبب من أسباب دخولك في نعيم دائم، هل تكون هذه الحسنات رخيصة لتأكل بها دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة؟

وكلنا يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.

لو بذلنا الدنيا بما فيها لننال نعيم الله في الآخرة فنحن رابحون، أما لو بذلنا حسناتنا من أجل عرض من الدنيا قليل فنحن خاسرون لا قدر الله تعالى.

خامساً: الشهيد في سبيل الله لا يدخل الجنة حتى يُقضى دينه:

روى الإمام أحمد والحاكم عن محمد بن عبد الله بن جحش رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَيْنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّمَاءِ فَنَظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَ بَصَرَهُ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا نَزَلَ مِنْ التَّشْدِيدِ)؟ قَالَ: فَسَكَتْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا فَلَمْ نَرَهَا خَيْرًا حَتَّى أَصْبَحْنَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نَزَلَ؟ قَالَ: (فِي الدَّيْنِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ عَاشَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ عَاشَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ).

هذا شهيد قُتل في سبيل الله، وهو حي في قبره يرزق عند ربه عز وجل، ولكن يُحال بينه وبين دخول الجنة حتى يقضى عنه دينه.

فكيف الواحد من أمثالنا يستهين بالدين، ويأكل أموال الناس بالباطل، وهو لا يبالي؟

سادساً: أنت أدرى بورثتك:

أنت أدرى بورثتك بعد موتك، هل تتوقع منهم أن يسرعوا في سداد ديونك عنه حتى لا تُسَلم إلى عذاب الله تعالى، ولا يحال بينك وبين نعيم القبر؟ أم أنهم لا يبالون بك بعد موتك؟

روى الطبراني والحاكم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ: (هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ بني النَّجَّارِ)؟ فَنَادَى ثَلاثًا لا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلاً أَجَابَهُ، فَقَالَ: (سَمِعْتَ نِدَائِي)؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (إِنَّ فُلانًا الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْكُمْ قَدِ احْتَبَسَ عَنِ الْجَنَّةِ، مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ).

فقل لي يا أيها المدين هل يرضيك هذا؟ لماذا تجعل نفسك تحت رحمة ورثتك هل يسدِّدون الدَّين عنك أم لا؟ فكن حريصاً على نفسك وسلامتك، ما دمت تؤمن بأن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، وتؤمن بقوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير}.

وأخيراً:

كلنا يعلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي على من مات وعليه دَين ولم يترك وفاءً، أو يتحمَّله أحد عنه، روى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، قال: «هل عليه دين»؟ قالوا: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل نهاني أن أصلي على رجل عليه دين، وقال: إن صاحب الدين مرتهن في قبره حتى يقضى عنه دينه» فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه.

وفي رواية عند الإمام أحمد: (أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ: (أَعَلَيْهِ دَيْنٌ)؟ قَالُوا: نَعَمْ دِينَارَانِ، قَالَ: (أَتَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً)؟ قَالُوا: لا، قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

مهر الزوجة من الدَّين:

قد يقول أحدنا: الحمد لله رب العالمين ما عليِّ دَين لأحد، وينسى أن مهرَ زوجته غير المقبوض هو من جملة الدَّين، وأن الذهب الذي أخذه من زوجته هو من جملة الدَّين، وأن التركة التي حصلت عليها من أحد مورثيها وأخذها الزوج هي من جملة الدَّين.

ينسى أحدنا هذا ويظن أن ذمَّته بريئة، المهر غير المقبوض دَين في ذمتك، فلماذا تماطل في سداده؟ قد يقول أحدنا: إن المؤخر لا تستحقه المرأة إلا عند موته أو عند عند طلاقها، أقول: هذا كلام صحيح، ولكن هل تعلم من ورثتك أنهم سيعطون هذه الزوجة حقها، وخاصة إذا كانت بالنسبة لهم زوجةَ أبيهم؟

خاتمة نسأل الله حسنها:

لنحاول أيها الإخوة جاهدين أن نُبرئ ذمتنا من حقوق العباد ونحن في الدنيا قبل موتنا، لأنه قد يندم العبد عند سكرات الموت ولا ينفعه الندم، لأننا جميعاً نعلم بأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، أما حقوق العباد فمبنية على المشاحة، لماذا نجعل من أنفسنا رجالاً أو نساء أذلاء أمام الآخرين، ونرجوهم أن يسامحونا أو يعفو عنا؟

أسأل الله تعالى أن لا يخرجنا من هذه الدنيا إلا وذمتنا بريئة صافية، ونسأله بعد ذلك أن يعاملنا بفضله لا بعدله، وأن يتقبل منا ما لا ينفعه، ويغفر لنا ما لا يضره، إنه خير مسؤول ومأمول. والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

 2009-07-01
 2148
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3464 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3464
21-01-2018 4226 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4226
14-01-2018 3087 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3087
08-01-2018 3415 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3415
31-12-2017 3492 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3492
24-12-2017 3169 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3169

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5535
المقالات 3009
المكتبة الصوتية 4364
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406886381
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :