76ـ نحو أسرة مسلمة: موقف الإسلام من القواعد من النساء

76ـ نحو أسرة مسلمة: موقف الإسلام من القواعد من النساء

 

مقدمة الدرس:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد انتهينا في الدرس الماضي إلى أنه يجب علينا أن نعلم عداوة إبليس لنا جميعاً، وبأنه حريص على نزع اللباس عنا لكي يبدي لنا سوآتنا، قال تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا}.

وكذلك هو حريص على إيقاع الفتنة بين الرجال والنساء، ولذلك يوسوس للمرأة عند خروجها من بيتها بأنَّ كلَّ من رآها تعجبه، ويزينها في نظر الرجال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ فَتَقُولُ: مَا رَآنِي أَحَدٌ إِلا أَعْجَبْتُهُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ إِلَى اللَّهِ إِذَا كَانَتْ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا) رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه.

يُزَيِّنها في نظر الرجال، ويغريها بأن تهتمَّ بنفسها إذا خرجت من بيتها بأن تكون ثيابها غير محتشمة حتى تعجب الرجال، وبذلك تقع الفتنة بين الرجال والنساء، وربنا عز وجل يقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيق}.

لذلك طلب ربنا عز وجل منا لباساً يواري سوآتنا وأن تكون تلك الثياب ثياب تقوى، فقال تبارك وتعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون}.

أمر الله تعالى لبني آدم بعد العطاء:

أيها الإخوة الكرام: بعد إخبار الله تعالى لنا عن قصة إبليس مع سيدنا آدم عليه السلام، وعن نيَّة الشيطان تجاه أبناء آدم إلى قيام الساعة، أمرنا ربنا عز وجل أن نأخذ حذرنا من الشيطان وأن لا يوقعنا كما أوقع أبانا آدم عليه السلام، فقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُون}.

فربنا عز وجل يحذِّرنا من فتنة الشيطان لنا، فلنكن على حذر من وسوسته، ورحم الله تعالى الإمام البوصيري عندما قال:

وخالف النفس والشيطان واعصهما *** وإن هما محَّضاك النصح فاتَّهم

فمهما قدَّم لك شياطين الإنس والجن من نصح وأقسموا لك إيماناً بالله إنهم لك من الناصحين وكان نصحهم لك مخالفاً لكتاب الله ولسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تقبل منهم النصح، لأن نصحهم لك نابع من عداوة وحقد، وأما نصح ربنا عز وجل وأمرُه لنا فإنه من باب الرحمة بنا، كما قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}. وهل رأيت إنساناً عاقلاً يقبل نصيحة عدوه؟ هل رأيت تاجراً يقبل نصح تاجر آخر إذا كان يعلم عداوته له؟ مع العلم بأنه قد يكون في الحقيقة ناصحاً وليس عدوّاً، ولكن الإنسان ظنَّ ظناً بأنه عدوٌّ له، الجواب: قطعاً لا يقبل نصحه، فكيف يقبل الإنسان نصح شياطين الإنس والجن مع أن الله تعالى العليم بذات الصدور قال عن إبليس: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}. وقال عن اليهود والنصارى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. وقال عن المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون}؟

والذين يخططون لشبابنا ولبناتنا ـ وخاصة في قضية اللباس لباس الفجور ـ في الغالب الأعم من هؤلاء الشياطين شياطين الإنس من يهود ونصارى ومنافقين الذين هم تلاميذ إبليس، فهل يصدِّقهم المؤمن بأنهم أرادوا له خيراً؟

هل استجاب الناس لأمر ربهم؟

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استحباب بنو آدم لتحذير الله تعالى أم لا؟ الحقيقة لقد انقسم الناس إلى قسمين:

القسم الأول: هم قسمٌ صمَّوا آذانهم وقلوبهم عن تحذير الله تعالى وعن نهيه وأمره، وهؤلاء هم الأشقياء الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله تعالى وأوامره ونواهيه، بل اجترؤوا على أكثر من ذلك حيث قالوا إن الله أمرنا بالفحشاء، قال تعالى عنهم: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُون}.

هؤلاء طُمِسَت بصائرهم وكذبوا على أنفسهم، وادَّعوا أنهم يريدون الإصلاح في الأرض من حيث أنهم فسدوا وأفسدوا، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُون}.

هؤلاء هم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والعياذ بالله تعالى، من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ومشكلة هؤلاء كبيرة لأنهم يخادعون الناس.

هذا القسم الذين استحوذ عليهم الشيطان صدَّقوا عدوهم وشكُّوا في نصح الله وتوجيه الله لهم، هؤلاء سيندمون عاجلاً أم آجلاً، سواء سمعوا لنصح شياطين الجن أو لنصح شياطين الإنس، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}. وقال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَاب * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار}.

هذا القسم ظلم نفسه لأنه لم يقبل بنصح الله وإرشاده بعد أن بيَّن لهم عداوة شياطين الإنس والجن لهم، هذا القسم سوف يندم ولا ينفعه الندم، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً}.

المستكبر مصروف عن آيات الله:

أيها الإخوة الكرام: هذه الفئة وهذا القسم من الناس رجالاً كانوا أو نساءً مصروفون عن آيات الله عز وجل، هؤلاء ينشرون الرزيلة في كل مكان، لا هَمَّ لهم إلا قضاء شهوات الجسد، لا يحلُّون حلالاً ولا يحرِّمون حراماً، أتتهم شياطينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم بشتى فنون الإغراء والتزيين.

خدَّرت شياطين الإنس والجن بعض النساء وصرفوهن عن آيات الله تعالى وأحكامه باسم الرقيِّ والتقدم والحضارة، وكأنَّ التقدم والرقي والحضارة لا يكون إلا بثياب الفجور.

كما أتت شياطين الإنس والجن إلى الشباب فخدَّروهم كذلك لضمان تبعيَّتهم للفتنة والغواية، وينادون عليهم بعد ذلك إلى التحرُّر من القيم والأخلاق، وبذلك تقع الطامَّة والعياذ بالله تعالى.

هؤلاء الذين يستكبرون على آيات الله تعالى، فلا يحلُّون حلالاً ولا يحرِّمون حراماً سيصرفهم الله تعالى عن آياته، وعن سبيل الرشاد، ويحبِّب إليهم سبيل الغي لأنهم عشقوه، قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِين}.

القسم الثاني:

أما القسم الثاني: فهم الذين فتحوا آذانهم وقلوبهم لأوامر الله تعالى، هؤلاء الذين صدَّقوا الله تعالى فيما قال، هؤلاء تركوا كِبرهم وعنادهم فانصاعوا لأوامر الله تعالى، لأنهم علموا أنهم ما خلقوا عبثاً، وعلموا أنهم إلى الله راجعون، فسألوا الله تعالى أن يشرح صدورهم للإسلام فشرحها بعد أن حبب إليهم الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، هؤلاء قال الله تعالى عنهم: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}. بعد أن حبَّب إليهم الإيمان، قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون}.

فإذا رأت المرأة المسلمة صدرها مشروحاً للإسلام ـ والمقصود بالإسلام هو الاستسلام لأوامر الله تعالى ـ فلتعلم بأن الله تعالى أراد بها خيراً، أما من وجدت صدرها ضيِّقاً وعندها الحرج في الالتزام والعياذ بالله تعالى فلتعلم بأن الله تعالى أراد ضلالها لأنها عاشقة الضلال والعياذ بالله تعالى.

{وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}.

أيها الإخوة الأحبة: إذا عرفت المرأة هذا الذي ذكرنا فلتنظر إلى قوله تعالى:{ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}. ثم لتنظر إلى مدى انشراح صدرها لهذا النهي، فإذا وجدت انشراح صدرها لهذا النهي، فلتحمد الله تعالى لأن الله تعالى أراد لها خيري الدنيا والآخرة، أما إذا ضاق صدرها بذلك لا قدَّر الله تعالى فلتسرع إلى التوبة والاستغفار؛ لأن قلبها مريض، ويُخشى عليها من الضلال، وبالضلال تخسر الدنيا والآخرة.

ما هو التبرج؟

قد تسأل المرأة، ما هو المقصود بالتبرج؟ قال العلماء: التبرُّج هو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب، وأجمل ما في المرأة هو وجهها، والدليل على ذلك بأن المرأة ينصب جلُّ اهتمامها على وجهها، ومن التبرُّج إظهار الزينة من حليٍّ وغيره، ومن التبرُّج إظهار اللباس لباس الزينة، ومن التبرُّج التمايل في المشي، وضرب الأرض بالأرجل، وبشكل مختصر التبرُّج: هو إبراز المحاسن بأيِّ شكل من الأشكال بحيث تلفت أنظار الرجال الأجانب إليها.

موقف الإسلام من القواعد من النساء:

وقبل أن نخوض في حديث التبرُّج مع النساء الشابات اللواتي هنَّ في سنِّ الصبا، أقول لهؤلاء الأخوات: لنسمع إلى آية في سورة النور عندما يحدِّثنا الله تعالى عن القواعد من النساء، وهن العجائز اللواتي لم يبق فيهنَّ مطمع في الرجال ولا يطمع الرجال فيهنَّ، قال تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم}.

في هذه الآية الكريمة رخصة للقواعد من النساء بأنه يجوز لهنَّ كشف الوجه واليدين أمام الرجال الأجانب من غير زينة، لأن المرأة العجوز إذا كشفت عن وجهها ويديها بدون زينة فإنها لا تحرِّك شهرة الرجال لكبر سنِّها، ولكن بيَّن الله تعالى لهذه المرأة العجوز بأن الستر أولى وأفضل، قال تعالى: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}.

هل فكَّرت المرأة الشابة في هذه الآية الكريمة، حيث رخَّص الله تعالى للمرأة العجوز أن تكشف عن وجهها بشرط عدم الزينة، ثم بيَّن لها أن الستر أفضل، فهذه الرخصة للنساء العجائز اللاتي انعدمت فيهنَّ الغرائز الجنسية ولم يبق فيهنَّ مطمع في الرجال، ولا مطمع الرجال فيهنَّ.

فلتتأمل المرأة الشابة المتبرِّجة هذه الآية، ثم لتفكِّر في نفسها أليست هي أحقَّ وأولى من المرأة العجوز في ستر الوجه والكفين، وستر لباس الزينة وعدم التبرُّج؟

وربنا عز وجل ما ترك المرأة تقيس هذا الأمر على نفسها لتمتنع عن التبرُّج، بل نهاها صراحة في القرآن العظيم، فقال: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}. فهذه الآية الكريمة فيها نهي صريح عن تشبُّه المرأة المسلمة بالمرأة الجاهلية التي كانت قبل الإسلام حيث لا ضوابط لها، وكذلك يجب على المرأة المسلمة أن تكون متميِّزة بحيث تستمدُّ من تعاليم ربها عز وجل وأن لا تعيش في الجاهلية الثانية، لأن اللباس اليوم مستمدٌّ من أمة جاهلية من الشرق والغرب الذين لا يعرفون إلا الشهوات.

خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:

أيها الإخوة الأحبة: حديثي هذا ربما الكثير من النساء من ترفضه فضلاً عن كثير من الرجال، لأن بعض النساء صارت متبرِّجة والعياذ بالله تعالى، هذا إذا لم يكن الأكثر، أقول لمن يرفض هذا الكلام: نحن أمام نصوص قرآنية، يقول فيها مولانا عز وجل مخبراً عن الشيطان قوله: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين}. وهؤلاء قلة كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور}.

حديثي لمن أرادت أن تكون من القلة الشاكرة لله عز وجل، حديثي لمن أرادت أن تكون من الطائفة الظاهرة على الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ) رواه مسلم عن معاوية رضي الله عنه. حديثي لمن أرادت أن تكون حجة على غيرها يوم القيامة، حديثي لمن أرادت أن تكون على قدم أمهاتنا أمهات المؤمنين، وبنات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونساء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كانت الواحدة منهنَّ حريصة على أن لا تنكشف قدمها أمام الرجال الأجانب، كما جاء في الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ) رواه الترمذي.

حديثي لمن كانت حريصة على ستر قدمها فضلاً عن وجهها، وخاصة في هذا الزمن الذي قلَّ فيه خيار الناس إلا من رحم الله تعالى.

ولعل الحديث له صلة في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

 2010-02-24
 3301
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3464 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3464
21-01-2018 4226 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4226
14-01-2018 3087 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3087
08-01-2018 3415 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3415
31-12-2017 3492 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3492
24-12-2017 3169 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3169

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5535
المقالات 3009
المكتبة الصوتية 4364
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406886534
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :