236ـ كان    في محط العناية

236ـ كان    في محط العناية

كلمة شهر شوال 1447

236ـ كان صلى الله عليه وسلم في محط العناية

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَنَشْكُرَهُ أَنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا وَمَنَّ عَلَيْنَا بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَاخْتَارَهُ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.

فِي مَحَطِّ العِنَايَةِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي مَحَطِّ العِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَمَجْلَى الهِدَايَةِ لِلْبَشَرِيَّةِ، اصْطَفَاهُ اللهُ تَعَالَى وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَأَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى بِالحِكْمَةِ، وَنَادَاهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لِيُنَادِيَنَا، وَبَلَّغَهُ تَعَالَى لِيُبَلِّغَنَا، وَخَتَمَ بِرِسَالَتِهِ الرِّسَالَاتِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةً تَامَّةً وَقُدْوَةً كَامِلَةً ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾.

وَتَوَلَّاهُ اللهُ تَعَالَى وَحَمَاهُ حِمَايَةً لَيْسَتْ خَافِيَةً عَلَى ذِي عَيْنَيْنِ، وَلَقَدْ صَمَّمَ أَلَدُّ أَعْدَائِهِ عَلَى النَّيْلِ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَعَادَ ذَاكَ العَدُوُّ مَذْعُورًا خَائِفًا.

رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ (وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ السُّجُودِ؛ فَهُوَ يَسْأَلُ هَلْ يَسْجُدُ مُحَمَّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؛ بِمَعْنَى هَلْ يَقُومُ بِشَعَائِرِ دِينِهِ أَمَامَكُمْ؟).

قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ.

فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ.

قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ.

قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ.

قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟

فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ المَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا».

قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ـ يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ ـ ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾.

وَمِنْ مَظَاهِرِ الحِمَايَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَالعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، مَا رَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ، حَمَّالَةَ الحَطَبِ، حِينَ سَمِعَتْ مَا نَزَلَ فِيهَا، وَفِي زَوْجِهَا مِنَ القُرْآنِ، أَتَتْ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ عِنْدَ الكَعْبَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ (الفِهْرُ: حَجَرٌ يَمْلَأُ الكَفَّ) فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَخَذَ اللهُ ببصرِها عَنْ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَرَى إلَّا أَبَا بَكْرٍ.

فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَيْنَ صاحبُك؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَهْجُونِي، وَاللهِ لَوْ وجدتُه لَضَرَبْتُ بِهَذَا الفِهْرِ فَاهُ، أَمَا وَاللهِ إنِّي لَشَاعِرَةٌ، ثُمَّ قَالَتْ: مُذَمَّمَاً عَصَيْنَا، وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا، وَدِينَهُ قَلَيْنَا.

ثُمَّ انْصَرَفَتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا تَرَاهَا رَأَتْكَ؟

فَقَالَ: «مَا رَأَتْنِي، لَقَدْ أَخَذَ اللهُ بِبَصَرِهَا عَنِّي».

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ كَانَتْ حِمَايَةُ اللهِ تَعَالَى لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَاضِحَةً جَلِيَّةً، وَعِنَايَتُهُ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَا تَخْفَى عَلَى ذِي عَيْنَيْنِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا وَاللهُ تَعَالَى القَائِلُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ وَالقَائِلُ: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي المُؤْمِنِينَ عَامَّةً، فَكَيْفَ بِسَيِّدِ المُؤْمِنِينَ، وَسَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ؟ وَهُوَ الذي قَالَ فِي حَقِّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.

وَفِي هَذَا تَطْمِينٌ لِأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى هَدْيِهِ بِأَنَّ لَهُمْ نَصِيبًا وَحَظًّا وَافِرًا مِمَّا أَكْرَمَ اللهُ تَعَالَى بِهِ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلسَّيْرِ عَلَى هَدْيِ حَبِيبِنَا سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. آمين.

**      **      **

تاريخ الكلمة:

الجمعة: 1/ شوال /1447هـ، الموافق: 20/آذار / 2026م

 2026-03-30
 746
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

20-05-2026 174 مشاهدة
238ـ الأيام ليست كلها سواء

أَيَّامُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا لَيْسَتْ كُلُّهَا سَوَاءً، وَالْأَوْقَاتُ وَالسَّاعَاتُ لَيْسَتْ بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُنَاكَ أَيَّامٌ فَاضِلَةٌ، وَسَاعَاتٌ كَرِيمَةٌ تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَيَعُمُّ فِيهَا الْفَضْلُ، ... المزيد

 20-05-2026
 
 174
23-04-2026 504 مشاهدة
237ـ البهائم العجماوات تميز بين أولياء الله وأعدائه

لِنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقَاتِ، غَيْرَ الإِنْسَانِ خَاضِعَةٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُنْصَاعَةٌ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى بِاخْتِيَارِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ... المزيد

 23-04-2026
 
 504
02-03-2026 637 مشاهدة
235ـ تأثير الصوم على الجوارح

شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ شَهْرٌ لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامِهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلِ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو ... المزيد

 02-03-2026
 
 637
20-01-2026 1170 مشاهدة
234ـ أخطر شيء في حياة الإنسان

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ، أَوْ مَعَ الغَافِلِينَ، أَوْ مِنْ مُجَالَسَةِ الغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَعَنْ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، لِأَنَّ الغَفْلَةَ ... المزيد

 20-01-2026
 
 1170
25-12-2025 1110 مشاهدة
233ـ إن اليتيم يتيم العلم والأدب

الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ، فَالْجَسَدُ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، وَالرُّوحُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، الْجَسَدُ التُّرَابِيُّ مُدْرَكٌ بِالْبَصَرِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَمُدْرَكَةٌ بِالْبَصِيرَةِ، وَالرُّوحُ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنَ الْجَسَدِ، ... المزيد

 25-12-2025
 
 1110
24-11-2025 980 مشاهدة
232ـ توقير العلماء الربانيين من توقير الله تعالى

الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الرَّبَّانِيِّينَ ـ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى ـ هُوَ أَدَبٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمٌ لِشَعَائِرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ... المزيد

 24-11-2025
 
 980

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5720
المقالات 3262
المكتبة الصوتية 4884
الكتب والمؤلفات 21
الزوار 434853370
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2026 
برمجة وتطوير :