174ـ أيها المسافر بحجة لقمة العيش

174ـ أيها المسافر بحجة لقمة العيش

174ـ أيها المسافر بحجة لقمة العيش

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: إِنَّ العَمَلَ في الدُّنْيَا قَرِينُ الجِهَادِ في سَبِيلِ اللهِ تعالى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. وَكُلُّ نَبِيٍّ كَانَ لَهُ عَمَلٌ وَحِرْفَةٌ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الغَنَمَ، وَإِنَّ السَّفَرَ مِنْ أَجْلِ لُقْمَةِ العَيْشِ لَا عَيْبَ فِيهِ، فَسَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ سَافَرَ مِنْ أَجْلِهَا.

روى الإمام البخاري عَنِ المِقْدَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الاسْتِغْنَاءُ عَنِ النَّاسِ بِالكَسْبِ الحَلَالِ شَرَفٌ عَالٍ وَعِزٌّ مُنِيفٌ، يَقُولُ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَا مِنْ مَوْضِعٍ يَأْتِينِي المَوْتُ فِيهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَوْطِنٍ أَتَسَوَّقُ فِيهِ لِأَهْلِي أَبِيعُ وَأَشْتَرِي. / إحياء علوم الدين.

وَمِنْ حِكَمِ لُقْمَانَ: يَا بُنَيَّ، اسْتَغْنِ بِالكَسْبِ الحَلَالِ عَنِ الفَقْرِ، فَإِنَّهُ مَا افْتَقَرَ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا أَصَابَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ: رِقَّةٌ في دِينِهِ، وَضَعْفٌ في عَقْلِهِ، وَذَهَابُ مُرُوءَتِهِ. / إحياء علوم الدين.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ مَدَحَ اللهُ تعالى الذينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وَأَثْنَى عَلَى الذينَ يَضْرِبُونَ في الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ.

وَلَكِنْ أَيُّهَا المُسَافِرُ بِحُجَّةِ لُقْمَةِ العَيْشِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ يُسَافِرُ بِحُجَّةِ لُقْمَةِ العَيْشِ، وَيَتْرُكُ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ، هَلَّا تَسَاءَلَ مَعَ نَفْسِهِ: لِمَنْ تَرَكَ زَّوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ؟ وَخَاصَّةً في هَذِهِ الآوِنَةِ حَيْثُ كَثُرَ الفَسَادُ وَالانْحِرَافُ، وَخَاصَّةً عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ.

أَمَا سَمِعَ بِانْحِرَافِ كَثِيرٍ مِنَ الزَّوْجَاتِ؟ أَمَا سَمِعَ بِانْحِرَافِ كَثِيرٍ مِنَ الأَبْنَاءِ وَالبَنَاتِ، بِسَبَبِ غِيَابِ الزَّوْجِ وَالأَبِ؟

يَا مَنْ سَافَرَ بِحُجَّةِ لُقْمَةِ العَيْشِ، وَتَرَكَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ في مَهَبِّ رِيحِ الفِتَنِ وَالفَسَادِ وَالإِفْسَادِ وَالضَّلَالِ وَالإِضْلَالِ وَالانْحِرَافِ، من المُمْكِنِ أَنْ تَأْتِيَهُم بِالمَالِ الوَفِيرِ، وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ سَتَأْتِيهِمْ بِالاسْتِقَامَةِ عَلَى شَرِيعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في حَالَةِ بُعْدِكَ عَنْهُمْ؟

لَقَدْ دَفَعَكَ ضِيقُ العَيْشِ في بِلَادِنَا إلى السَّفَرِ، وَلَكِنْ أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ الانْحِرَافَ صَارَ أَقْرَبَ إِلَيْهِمْ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ، وَأَنَّكَ عَرَّضْتَ نَفْسَكَ للفِتْنَةِ بِدُونِ زَوْجَتِكَ؟ مَنْ لَكَ في غَيْبَتِكَ عَنْ زَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِكَ، وَمَنْ لِزَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِكَ في غَيْبَتِكَ؟

أَيُّهَا المُسَافِرُ، أَمَا اعْتَبَرْتَ؟

يَا أَيُّهَا المُسَافِرُ وَالمُبْتَعِدُ عَنْ زَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِكَ بِحُجَّةِ لُقْمَةِ العَيْشِ، أَمَا اعْتَبَرْتَ مِنْ بَعْضِ رِجَالِ الأَعْمَالِ الذينَ انْشَغَلُوا بِالمَالِ وَجَمْعِهِ، وَأَهْمَلُوا الزَّوْجَةَ وَالوَلَدَ حَتَّى انْحَرَفُوا؟

أَمَا سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِهِمْ إِذْ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَا أَرَى زَوْجَتِي وَأَوْلَادِي إِلَّا نَادِرًا، إِنِّي أَرْجِعُ إلى البَيْتِ وَهُمْ نَائِمُونَ، وَيَذْهَبُونَ إلى المَدْرَسَةِ وَأَنَا نَائِمٌ؟

يَا أَيُّهَا المُسَافِرُ بِحُجَّةِ لُقْمَةِ العَيْشِ، إِنْ لَمْ تَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ بِبُعْدِكَ عَنْ زَوْجَتِكَ، وَإِنْ لَمْ تَخَفْ عَلَى أَوْلَادِكَ القُصَّرِ، فَخَفْ عَلَى زَوْجَتِكَ مِنْ فِتَنِ هَذِهِ الأَيَّامِ التي عَمَّ فِيهَا الخَبَثُ وَانْتَشَرَتْ فِيهَا الرَّذِيلَةُ.

لَقَدْ سَمِعَ النَّاسُ وَسَمِعْنَا عَنْ مَآسٍ يَنْدَى لَهَا الجَبِينُ، عَنِ الفِتَنِ التي تَتَعَرَّضُ لَهَا زَوْجَاتُ الغَائِبِينَ، وَعَنِ الفِتَنِ التي تَعَرَّضَ لَهَا الزَّوْجُ الغَائِبُ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ المَرْأَةَ المُتَزَوِّجَةَ وَالرَّجُلَ المُتَزَوِّجَ مِنَ الصَّعْبِ جِدًّا أَنْ يَجِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَفْسَهُ بِدُونِ الآخَرِ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةَ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: تَعَدَّدَتِ الأَسْبَابُ وَالرِّزْقُ وَاحِدٌ، سَفَرُ العَبْدِ لَنْ يَزِيدَ في رِزْقِهِ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ، فَالرَّزَّاقُ هُنَاكَ هُوَ الرَّزَّاقُ هُنَا.

فَيَا مَنْ سَافَرَ وَعَرَّضَ نَفْسَهُ ـ لَا قَدَّرَ اللهُ ـ للفِتَنِ، وَتَرَكَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ مُعَرَّضِينَ للفِتَنِ، ارْجِعْ إلى زَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِكَ مِنْ أَجْلِ سَلَامَتِكَ وَسَلَامَتِهِمْ؛ وَسَلَامَتُكُمْ سَلَامَةُ المُجْتَمَعِ، وَاسْتَحْضِرْ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.

اللَّهُمَّ عَجِّلْ بِالفَرَجِ. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 1/ شعبان /1442هـ، الموافق: 15/ آذار / 2021م

 2021-03-15
 332
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

08-08-2021 201 مشاهدة
179ـ الثقة المطلقة بالله تعالى

نَحْنُ نَعِيشُ ذِكْرَى هِجْرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، هَذِهِ الذِّكْرَى التي نَعِيشُهَا تُوجِبُ عَلَيْنَا أَخْذَ دُرُوسٍ ... المزيد

 08-08-2021
 
 201
13-07-2021 149 مشاهدة
178ـ حتى تنقلب العداوة صداقة

حَيَاتُنَا كُلُّهَا للهِ تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. لَقَدْ خُلِقْنَا لِعِبَادَتِهِ تَبَارَكَ وتعالى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَنْسَى قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ... المزيد

 13-07-2021
 
 149
20-06-2021 201 مشاهدة
177ـ الزنا من أعظم الذنوب

يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ ... المزيد

 20-06-2021
 
 201
12-05-2021 238 مشاهدة
176ـ من صمت نجا

يَا مَنْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ تعالى بِمُرَاقَبَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في شَهْرِ رَمَضَانَ، وَدَخَلْتُمْ مَقَامَ الإِحْسَانِ، وَعَبَدْتُمُ اللهَ تعالى كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، وَأَنْتُمْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ يَرَاكُمْ، فَأَتْقَنْتُمْ صِيَامَكُمْ ... المزيد

 12-05-2021
 
 238
15-04-2021 439 مشاهدة
175ـ إطعام الطعام أفضل الأعمال

لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَرِيصًا أَشَدَّ الحِرْصِ عَلَى زَرْعِ الأُلْفَةِ وَالمَحَبَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَى بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ تَسُودُهُ المُعَامَلَةُ الحَسَنَةُ، ... المزيد

 15-04-2021
 
 439
12-02-2021 303 مشاهدة
173ـ يا أيها السارد في الظلم

يَا مَنْ تَسْتَقْبِلُونَ شَهْرَ رَجَبٍ الفَرْدَ، هَذَا الشَّهْرُ الذي جَعَلَهُ اللهُ تعالى مِنَ الأَشْهُرِ الحُرُمِ التي قَالَ اللهُ تعالى فِيهَا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ... المزيد

 12-02-2021
 
 303

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5366
المقالات 2847
المكتبة الصوتية 4146
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 402036470
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2021 
برمجة وتطوير :