36ـ كلمة شهر صفر 1431هـ: خير الأعمال عند الله عز وجل

36ـ كلمة شهر صفر 1431هـ: خير الأعمال عند الله عز وجل

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد روى الإمام مالك في موطئه وابن ماجه في سننه أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى).

ذكر الله تعالى له شأن كبير في حياة الإنسان المؤمن، وكيف لا يكون ذكر الله تعالى له هذا الشأن، وقد ورد في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثمئة آية، وكلُّها تؤكد على أن الذكر ينبغي أن يحيط الإنسان ظاهراً وباطناً وفي سائر أحواله، وفي جميع أطواره، لأنه عبادة الجوارح كلِّها، فهو عبادة القلب، وعبادة الفكر، وعبادة اللسان.

ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين: (الذِّكر منشور الولاية الذي من أُعطِيَه اتصل، ومن مُنِعَهُ عُزِل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبوراً، وعمارة ديارهم التي إذا تعطّلت عنه صارت بوراً، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطَّاع الطَّريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسّبب الواصل؛ والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.

إذا مرضنا تداوينا بذكركم *** فنترك الذّكر أحياناً فننتكس

به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكُرُبات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلَّهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النَّوازل فإليه مفزعهم، فهو رياض جنَّتهم التي فيها يتقلَّبون .. يدع القلب الحزين ضاحكاً مسروراً، ويوصّل الذّاكر إلى المذكور، بل يدع الذّاكر مذكوراً.

وفي كلّ جارحة من الجوارح عبوديّة مؤقّتة، والذِّكر عبوديَّة القلب واللِّسان وهي غير مؤقَّتة، بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلّ حال قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، فكما أنَّ الجنَّة قيعان، وهو غراسها، فكذلك القلوب بور خراب، وهو عمارتها وأساسها.

وهو جلاء القلوب وصِقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلَّما ازداد الذاكر في ذكره استغراقاً، ازداد المذكور محبّة إلى لقائه واشتياقاً، به يزول الوَقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظُّلمة عن الأبصار. زيَّن الله به ألسنة الذاكرين، كما زيَّن بالنُّور أبصار الناظرين، فاللِّسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصَّمَّاء، واليد الشَّلاء. وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته) اهـ.

الفلاح بدوام ذكر الله:

قال تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون}، فمن أراد الفلاح في الدنيا والآخرة فعليه بذكر الله تعالى، سراً وجهراً، سفراً وحضَراً، غنًى وفقراً، صحةً ومرضاً.

الغفلة سبب الخسارة:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون}، فأكبر خسارة تنزل بالإنسان في الحياة الدنيا والآخرة هي بسبب الغفلة عن الله عز وجل.

أعظم جزاء لذكر الله هو...

قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون}، أعظم عطاء يناله العبد من به عز وجل هو أن يذكر الله تعالى، وذكر الله تعالى للعبد هو جزاء على ذكر العبد لربه، وشتان ما بين ذكر المخلوق وذكر الخالق، وفي الحديث: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) رواه البخاري ومسلم.

حياة القلب بذكر الله تعالى:

ذكر الله تعالى حياة للقلوب ومفتاح لأقفالها، روى البخاري عن سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ). وفي رواية لمسلم: (مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ).

الذكر مطردة للشيطان:

ذكر الله تعالى يطرد الشيطان ويقمعه، ويحفظ القلب من وسوسة الشيطان، جاء في الحديث الشريف: (إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس) رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي وأبو يعلى واللفظ له.

الذكر ينجي من عذاب الله تعالى:

الاشتغال بذكر الله تعالى ينجي من عذاب الله تعالى، كما جاء في الحديث: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلاً قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) رواه ابن ماجه وغيره.

لأن اللسان والجوارح إذا لم تشتغل بذكر الله اشتغلت بالكلام والأفعال الباطلة، فاللسان إما ذاكر وإما لاغٍ، والنفس إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، والقلب إذا لم تسكنه محبة الله تعالى سكنته محبة المخلوقين، وشتان بين قلب عامر بمحبة الله وبين قلب عامر بمحبة المخلوقين، فالأول في جنة المعارف، والآخر في عذابٍ نفسي.

الحلاوة في ثلاثة:

ويقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: تفقَّدوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، وإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق. رواه أبو نعيم في حلية الأولياء والبيهقي في شعب الإيمان.

الذاكر يُعطى فوق ما يُعطى السائل:

ذِكر الله تعالى سبب لعطاء الله تعالى، فالله تعالى يعطي الذاكر أكثر مما يعطي السائل، وذلك لما جاء في الحديث القدسي: (مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

الذاكر لله تعالى تنزل عليه السكينة:

الذكر لله تعالى سبب لنزول الرحمات، ولسكون القلب، ولرعاية الملائكة للذاكرين، كما جاء في الحديث: (لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) رواه مسلم.

أهل الغفلة أهل الحسرة:

وبضدِّها تتميز الأشياء، فأهل الذكر يفرحون يوم القيامة ببركة ذكرهم لله تعالى، أما أهل الغفلة فهم أهل الحسرة والندامة يوم القيامة، جاء في الحديث الشريف: (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. [تِرَة: حسرة وندامة].

ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا تحسَّر عليها يوم القيامة) رواه البيهقي وابن أبي الدنيا.

اصحب أهلَ الذكر:

وأخيراً أقول لنفسي ولك: اصحب أهلَ الذكر واقتدِ بهم، واحذر أهلَ الغفلة، وابتعد عن مجالسهم، وانظر إلى جليسك هل يحكمه الهوى أو الوحي، فإن كان من أهل الغفلة كان أمره فُرُطاً فاحذره، قال تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وعيناً دامعة، وعملاً متقبلاً، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**     **     **

 

 2010-01-16
 10877
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

23-01-2023 143 مشاهدة
197ـ أيها المغرور عمرك قصير

الحَيَاةُ الدُّنْيَا دَارُ لَهْوٍ وَلَعِبٍ، وَدَارُ اخْتِبَارٍ وَابْتِلَاءٍ، وَدَارُ مَمَرٍّ لَا مَقَرٍّ، وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ ... المزيد

 23-01-2023
 
 143
30-12-2022 165 مشاهدة
196ـ مسايرة الواقع جريمة

مِنْ عَلَامَاتَ تَوْفِيقِ اللهِ تعالى لِعَبْدِهِ، أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَنْ يَرْزُقَهُ اليَقَظَةَ وَالتَّنَبُّهَ في حَيَاتِهِ الدُّنْيَا، فَلَا تَرَاهُ إِلَّا حَذِرًا مُحَاسِبًا نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الزَّيْغِ ... المزيد

 30-12-2022
 
 165
16-12-2022 148 مشاهدة
195ـ لا يكن إيمانك إيمان هوى

مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، الإِيمَانُ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ، وَالرِّضَا عَنِ اللهِ تعالى بِأَحْكَامِهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فِيمَا يَبْدُو ذَلِكَ. أَمَّا الرِّضَا عَنِ اللهِ تعالى في عَطَائِهِ ... المزيد

 16-12-2022
 
 148
06-11-2022 222 مشاهدة
194ـ وصية أيام المحن

نِعَمُ اللهِ تعالى عَلَيْنَا كَثِيرَةٌ وَغَزِيرَةٌ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا أَنْ جَعَلَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ، وَأَكْرَمَنَا بِدِينٍ كَامِلٍ، وَشَرْعٍ شَامِلٍ، وَقَوْلٍ فَصْلٍ، وَقَضَاءٍ عَدْلٍ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ حَصَلَ عَلَى ... المزيد

 06-11-2022
 
 222
25-09-2022 200 مشاهدة
193ـ جيل رباه سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2)

هَذَا هُوَ شَهْرُ الرَّبِيعِ أَطَلَّ عَلَى الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِيَرْبِطَهَا بِنَبِيِّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلِتَنْظُرَ إلى الجِيلِ الذي رَبَّاهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ... المزيد

 25-09-2022
 
 200
29-08-2022 227 مشاهدة
192ـ جيل رباه سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1)

جِيلٌ بِأَكْمَلِهِ رَبَّاهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَسْبِقْ لِنَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ رَبَّى جِيلًا بِأَكْمَلِهِ، كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ ... المزيد

 29-08-2022
 
 227

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5574
المقالات 3041
المكتبة الصوتية 4441
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 408699278
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2023 
برمجة وتطوير :