61ـ كلمة شهر ربيع الأول 1433هـ: أين رسول الله    فينا؟

61ـ كلمة شهر ربيع الأول 1433هـ: أين رسول الله    فينا؟

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسنَّة الابتلاء ماضية في الأفراد، والجماعات، والشعوب، والأمم، والدُّوَل، وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام، وتحمَّلوا ـ رضوان الله عليهم ـ من البلاء ما تنوءُ به الرواسي الشامخات، وأعطوا للأمة دروساً وعبراً في مدى حبِّهم لله تعالى ولرسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبحقٍّ أحبُّوا الله تعالى، وأحبُّوا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أكثر من كلِّ شيء، حتى من أنفسهم الزكية الطاهرة.

جاء في السيرة النبوية لابن كثير، عن أُمِّنا الطاهرةِ البتول، زوجِ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وحبيبتهِ، الصدِّيقةِ بنتِ الصدِّيقِ، المبرَّأةِ من فوق سبع سموات، السيِّدةِ عائشةَ رضي الله عنها قالت:

لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً، ألحَّ أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليلٌ، فلم يزل أبو بكر يُلِحُّ حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتفرَّق المسلمون في نواحي المسجد كلُّ رجلٍ في عشيرته.

وقام أبو بكر في الناس خطيباً، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جالس، فكان أوَّل خطيبٍ دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً، وَوُطِئَ أبو بكر رضي الله عنه، وَضُرِبَ ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يُعرف وجهه من أنفه.

وجاء بنو تيم يتعادَون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يَشكُّونَ في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلنَّ عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلِّمون أبا بكر حتى أجاب.

فتكلَّم آخر النهار فقال: مَا فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟

فمسُّوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: أنظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحَّت عليه وجعل يقول: ما فعل رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟

فقالت: والله ما لي علم بصاحبك.

فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟ فقالت ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم.

فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفَاً، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إنَّ قوماً نالوا هذا منك لأهل فسقٍ وكفرٍ، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.

قال: فَمَا فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟

قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها.

قالت: سالم صالح.

قال: أين هو؟

قالت: في دار ابن الأرقم، قال: فإنَّ لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشربَ شراباً أو آتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فأُمْهِلَتَا حتى إذا هَدَأَت الرِجْلُ وسَكَنَ الناسُ، خَرَجَتَا به يَتَّكِئُ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال: فأكبَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقبَّله، وأكبَّ عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رِقَّةً شديدةً.

فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأسٌ إلا ما نالَ الفاسق من وجهي، وهذه أمي بَرَّة ٌ بولدها، وأنت مبارك، فادعها إلى الله، وادع الله لها، عسى الله أن يَسْتَنْقِذَهَا بك من النار.

قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ودعاها إلى الله، فأسلمت. اهــ.

يا عباد الله! هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في أصحابه الكرام، فأين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فينا؟ أين شريعته فينا؟ أين سنَّته فينا؟ أين سيرته فينا؟ أين تعظيمه فينا؟ وخاصَّةً ونحن نستقبل شهر ربيعٍ الأول شهر المولد المبارك، هلَّا تذكرنا قول الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.

نسأل الله تعالى الاتباع، وأن يجنِّبَنا الابتداع، وأن نُعظِّم الحبيب في نفوسنا، ونحيي شريعته فينا. اللهم وفِّقنا لذلك، يا أرحم الراحمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة بظهر الغيب

**     **     **

 2012-01-24
 35067
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

14-10-2021 89 مشاهدة
181ـ وجوب معرفة سيرته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

أُوصِي نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سِرًّا وَجَهْرًا، في جَمِيعِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ وَالنِّيَّاتِ، فَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ تعالى للأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ ... المزيد

 14-10-2021
 
 89
03-10-2021 79 مشاهدة
180ـ المخرج من الأزمات

رُّ مَا فَنِيَتْ بِهِ النُّفُوسُ يَأْسٌ يُمِيتُ القُلُوبَ، وَقُنُوطٌ تُظْلِمُ بِهِ الدُّنْيَا، وَتَتَحَطَّمُ مَعَهُ الآمَالُ، لَقَدْ نَسِيَ الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ طَبِيعَةَ هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، هَذِهِ الدُّنْيَا تُضْحِكُ وَتُبْكِي، ... المزيد

 03-10-2021
 
 79
08-08-2021 231 مشاهدة
179ـ الثقة المطلقة بالله تعالى

نَحْنُ نَعِيشُ ذِكْرَى هِجْرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، هَذِهِ الذِّكْرَى التي نَعِيشُهَا تُوجِبُ عَلَيْنَا أَخْذَ دُرُوسٍ ... المزيد

 08-08-2021
 
 231
13-07-2021 174 مشاهدة
178ـ حتى تنقلب العداوة صداقة

حَيَاتُنَا كُلُّهَا للهِ تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. لَقَدْ خُلِقْنَا لِعِبَادَتِهِ تَبَارَكَ وتعالى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَنْسَى قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ... المزيد

 13-07-2021
 
 174
20-06-2021 224 مشاهدة
177ـ الزنا من أعظم الذنوب

يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ ... المزيد

 20-06-2021
 
 224
12-05-2021 260 مشاهدة
176ـ من صمت نجا

يَا مَنْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ تعالى بِمُرَاقَبَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في شَهْرِ رَمَضَانَ، وَدَخَلْتُمْ مَقَامَ الإِحْسَانِ، وَعَبَدْتُمُ اللهَ تعالى كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، وَأَنْتُمْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ يَرَاكُمْ، فَأَتْقَنْتُمْ صِيَامَكُمْ ... المزيد

 12-05-2021
 
 260

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5367
المقالات 2853
المكتبة الصوتية 4150
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 402683061
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2021 
برمجة وتطوير :