26ـ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾

26ـ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾

26ـ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ اللهُ تعالى في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إِشَارَةً إلى المُعَذَّبِينَ في نَارِ جَهَنَّمَ، حَيْثُ يُشْرِفُ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ في سَقَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلَائِكَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

وَقَدْ يَتَسَاءَلُ الإِنْسَانُ: مَا المُرَادُ بِتِسْعَةَ عَشَرَ؟ هَلْ هُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا، أَمْ هُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا؟ اللهُ تعالى أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ، وَالإِنْسَانُ المُؤْمِنُ يُصَدِّقُ اللهَ تعالى فِيمَا أَخْبَرَ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُ لَو كُلِفَ مَلَكٌ وَاحِدٌ لَكَانَ كَافِيًا في تَعْذِيبِ المُعَذَّبِينَ.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾:

قَوْلُهُ تَبَارَكَ وتعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَثَارَ هُزْءَ سُفَهَاءِ الكَافِرِينَ وَسُخْرِيَتَهُمْ، إِذْ تَصَوَّرُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ المُكَلَّفِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ في سَقَرَ، هُمْ أَشْبَاهُ البَشَرِ.

جَاءَ في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: لَمَّا نَزَلَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ، أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَأَنْتُمُ الدُّهْمُ ـ أَيْ العَدَدُ ـ وَالشُّجْعَانُ، فَيَعْجِزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ يَبْطِشُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ.

قَالَ السُّدِّيُّ: فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ بْنُ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ: لَا يَهُولَنَّكُمُ التِّسْعَةَ عَشَرَ، أَنَا أَدْفَعُ بِمَنْكِبِي الأَيْمَنِ عَشَرَةً مِنَ المَلَائِكَةِ، وَبِمَنْكِبِي الأَيْسَرِ التِّسْعَةَ، ثُمَّ تَمُرُّونَ إلى الجَنَّةِ.

لَقَدْ دَفَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْهَامَ هَؤُلَاءِ المُسْتَهْزِئِينَ فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ لَيْسُوا بَشَرًا وَلَا أشْبَاهَ بَشَرٍ، بَلْ هُمْ مَلَائِكَةٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مِمَّا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ مِيرَاثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مِنَ المَلَائِكَةِ مَنْ يَنْسِفُ الجِبَالَ، وَيُزَلْزِلُ الأَرْضَ، وَيَكْفِي لِتَعْذِيبِ المُعَذَّبِينَ في نَارِ جَهَنَّمَ.

وَالمُرَادُ بِأَصْحَابِ النَّارِ المَلَائِكَةُ المُشْرِفُونَ عَلَى تَعْذِيبِ المُعَذَّبِينَ فِيهَا، وَالمُلَازِمُونَ لِمَوَاقِعِهِمْ فِيهَا.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾:

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ حِكَمٌ بَلِيغَةٌ للكَافِرِينَ وَفِتْنَةٌ لَهُمْ وَامْتِحَانٌ لِعُقُولِهِمْ، فَالكَافِرُ عِنْدَمَا يَسْمَعُ أَنَّ عَلَى سَقَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ، يَزِيدُ في غَيِّهِ وَكُفْرِهِ، إِذَا لَمْ يَسْتَخْدِمْ عَقْلَهُ بِمَا كُلِّفَ بِهِ.

فَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ المُسْتَهْزِئُ وَالسَّاخِرُ، وَمِنْهُمُ المُنْكِرُ، فَيَقُولُ: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾؟ أَيْ: لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الكَلَامُ مِنَ اللهِ تعالى، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾:

يَعْنِي: وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ كَذَلِكَ، إِلَّا لِيَسْتَيْقِنَ أَهْلُ الْكِتَابَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، بِأَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَادِقٌ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ، إِذْ إِنَّ الكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ التي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَدْ ذَكَرَتْ هَذَا العَدَدَ، كَمَا ذُكِرَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾:

يَعْنِي: ذَكَرَ عَدَدَ المَلَائِكَةَ القَائِمِينَ عَلَى تَعْذِيبِ المُعَذَّبِينَ في سَقَرَ بِالنِّسْبَةِ للمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا عَلَى إِيمَانِهِمْ، بِصِدْقِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، إِذْ إِنَّ الإِخْبَارَ عَنِ المُغَيَّبَاتِ عَنْ طَرِيقِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَجْعَلَ الإِيمَانَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ يَزْدَادُ رُسُوخًا وَثَبَاتًا.

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾:

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ وَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الاسْتِيقَانِ وَازْدِيَادِ الإِيمَانِ، أَيْ: فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا لِيَكْتَسِبَ أَهْلُ الكِتَابِ اليَقِينَ مِنْ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلِيَزْدَادَ المُؤْمِنُونَ إِيمَانًا عَلَى إِيمَانِهِمْ، وَلِتَزُولَ كُلُّ رِيبَةٍ أَو شُبْهَةٍ قَدْ تَطْرَأُ عَلَى قُلُوبِهِمْ.

﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾:

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أَيْ: مَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ كَذَلِكَ، إِلَّا فِتْنَةً للذينَ كَفَرُوا، وَللذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (أَيْ: شَكٌّ وَضَعْفٌ) وَلِيَقُولَ الكَافِرُونَ المُصِرُّونَ عَلَى التَّكْذِيبِ: مَا الأَمْرُ الذي أَرَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا المَثَلِ؟ وَسَمَّوُا العَدَدَ تِسْعَةَ عَشَرَ مَثَلًا لِغَرَابَتِهِ عِنْدَهُمْ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الخميس: 19/ ربيع الأول /1442هـ، الموافق: 5/تشرين الثاني / 2020م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  تفسير القرآن العظيم

30-10-2020 78 مشاهدة
25ـ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾

بَعْدَ القَرَارِ النِّهَائِيِّ الذي تَوَصَّلَ إِلَيْهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ، وَفي حَقِّ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، بَعْدَ تَفْكِيرٍ وَتَقْدِيرٍ وَتَرَيُّثٍ ... المزيد

 30-10-2020
 
 78
30-10-2020 67 مشاهدة
72ـ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾

إِنَّ حَالَةَ الكِبَرِ هِيَ الحَالَةُ التي يَحْتَاجَانِ فِيهَا إلى بِرِّ الوَلَدِ، وَذَلِكَ لِتَغَيُّرِ الحَالِ عَلَيْهِمَا بِالضَّعْفِ وَالكِبَرِ، لِذَا أَلْزَمَ الشَّارِعُ في هَذِهِ الحَالِةِ مِنْ مُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا ... المزيد

 30-10-2020
 
 67
22-10-2020 77 مشاهدة
24ـ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾

التَّفْكِيرُ هُوَ العَمَلُ البَدَهِيُّ للعَقْلِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ مِنْ وُجُودِ عَقْلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْكِيرٍ، لِأَنَّ العَقْلَ المَشْلُولَ لَيْسَ بِعَقْلٍ، بَلْ هُوَ جِهَازٌ مُعَطَّلٌ، وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. ... المزيد

 22-10-2020
 
 77
15-10-2020 101 مشاهدة
23ـ ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾

لَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَاتُ أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَاتِ عَلَى أَنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قَدْ أَدْرَكَ عَظَمَةَ مَا سَمِعَ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ المَجِيدِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ البَشَرِ، وَعَبَّرَ عَنْ دَهْشَتِهِ، وَلَكِنَّهُ ... المزيد

 15-10-2020
 
 101
08-10-2020 123 مشاهدة
22ـ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (3)

يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتعالى في كِتَابِهِ العَظِيمِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللهِ تعالى لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: ﴿ذَرْنِي ... المزيد

 08-10-2020
 
 123
13-03-2020 508 مشاهدة
21ـ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (2)

يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتعالى في كِتَابِهِ العَظِيمِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. ... المزيد

 13-03-2020
 
 508

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5279
المقالات 2743
المكتبة الصوتية 4062
الكتب والمؤلفات 17
الزوار 395268883
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2021 
برمجة وتطوير :