الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَأَنَا وَأَنْتَ نَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ سَيِّدَنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدَيْهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ الْمَلَائِكَةَ لَهُ، وَعَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبُو الْبَشَرِ جَمِيعًا، بِمَا فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَطَرَدَ الشَّيْطَانَ لِأَنَّهُ مَا سَجَدَ لِسَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ هَذَا أَوَّلًا.
ثَانِيًا: مَا حَصَلَ مِنْ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْرَةِ، وَمَا وَقَعَ مِنْهُ إِلَّا هَذَا، وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرُ لَا يُنْقِصُ مِنْ مَقَامِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النِّسْيَانِ، ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ وَهَذَا الْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ، يَقُولُ الْإِمَامُ الْجُنَيْدُ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ المُقَرَّبِينَ.
فَالْمُقَرَّبُ يُؤَاخَذُ بِمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْبَعِيدُ.
ثَالِثًا: بَعْدَمَا حَصَلَ الَّذِي حَصَلَ مِنْ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اجْتَبَاهُ اللهُ تَعَالَى وَهَدَاهُ، وَمَدَحَهُ وَزَكَّاهُ، وَاخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.
لِذَلِكَ يَقُولُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدِنَا الْيَوْمَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا إِذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَّا أَنْ يَبْتَدِئَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ إِلَيْنَا الْمُمَاثِلِينَ لَنَا، فَكَيْفَ فِي أَبِينَا الْأَقْدَمِ الْأَعْظَمِ الْأَكْرَمِ النَّبِيِّ الْمُقَدَّمِ الَّذِي اجْتَبَاهُ اللهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَغَفَرَ لَهُ.
وَيَقُولُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ: وإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوقِ لَا يَجُوزُ، فَالْإِخْبَارُ عَنْ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأُصْبُعِ وَالْجَنْبِ وَالنُّزُولِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَنْ وَصَفَ شَيْئًا مِنْ ذَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عُنُقِهِ، قُطِعَتْ يَدُهُ؛ وَكَذَلِكَ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، يُقْطَعُ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ اللهَ تَعَالَى بِنَفْسِهِ. اهـ.
رَابِعًا: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» مَرَّتَيْنِ.
قَالَ المُهَلَّبُ: قَوْلُهُ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» أَيْ: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ.
قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّمَا صَحَّتِ الْحُجَّةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لِآدَمَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِآدَمَ خَطِيئَتَهُ وَتَابَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِمُوسَى أَنْ يُعَيِّرَهُ بِخَطِيئَةٍ قَدْ غَفَرَهَا اللهُ تَعَالَى لَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي آتَاكَ اللهُ التَّوْرَاةَ، وَفِيهَا عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ، فَوَجَدْتَ فِيهَا أَنَّ اللهَ قَدْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْمَعْصِيَةَ، وَقَدَّرَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ مِنْهَا، وَأَسْقَطَ بِذَلِكَ اللَّوْمَ عَنِّي، أَفَتَلُومُنِي أَنْتَ وَاللهُ لَا يَلُومُنِي؟
وَبِمِثْلِ هَذَا احْتَجَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الَّذِي قَالَ لَهُ: إِنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا عَلَى عُثْمَانَ ذَنْبٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ عَفَا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾.
خَامِسًا: يَقُولُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبٌ، وَلَيْسَ تَعْيِيرُهُ مِنْ بِرِّهِ، أَنْ لَوْ كَانَ مِمَّا يُعَيَّرُ بِهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وَلِهَذَا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ وَهُوَ كَافِرٌ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ فَكَيْفَ بِأَبٍ هُوَ نَبِيٌّ قَدِ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى؟ اهـ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ كَيْفَ عَصَى سَيِّدُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ.
وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْعَاصِي بَعْدَ تَوْبَتِهِ: عَاصٍ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ.
فَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا فِي حَقِّ أَبِي الْبَشَرِ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾؟
وَهَلْ هَذَا السُّؤَالُ مِنَ الْأَدَبِ فِي حَقِّ أَبِي الْبَشَرِ؟
لِذَا لَا نَذْكُرُ هَذَا الْمَوْضُوعَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ تِلَاوَتِنَا لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَوْ إِذَا ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ. هذا، والله تعالى أعلم.