﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾

13865 - ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾

17-12-2025 389 مشاهدة
 السؤال :
كَيْفَ عَصَى سَيِّدُنَا آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَبَّهُ، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي خُصُوصِيَّاتِهِ؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 13865
 2025-12-17

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَأَنَا وَأَنْتَ نَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ سَيِّدَنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدَيْهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ الْمَلَائِكَةَ لَهُ، وَعَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبُو الْبَشَرِ جَمِيعًا، بِمَا فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَطَرَدَ الشَّيْطَانَ لِأَنَّهُ مَا سَجَدَ لِسَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ هَذَا أَوَّلًا.

ثَانِيًا: مَا حَصَلَ مِنْ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْرَةِ، وَمَا وَقَعَ مِنْهُ إِلَّا هَذَا، وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرُ لَا يُنْقِصُ مِنْ مَقَامِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النِّسْيَانِ، ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ وَهَذَا الْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ، يَقُولُ الْإِمَامُ الْجُنَيْدُ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ المُقَرَّبِينَ.

فَالْمُقَرَّبُ يُؤَاخَذُ بِمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْبَعِيدُ.

ثَالِثًا: بَعْدَمَا حَصَلَ الَّذِي حَصَلَ مِنْ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اجْتَبَاهُ اللهُ تَعَالَى وَهَدَاهُ، وَمَدَحَهُ وَزَكَّاهُ، وَاخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.

لِذَلِكَ يَقُولُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدِنَا الْيَوْمَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا إِذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَّا أَنْ يَبْتَدِئَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ إِلَيْنَا الْمُمَاثِلِينَ لَنَا، فَكَيْفَ فِي أَبِينَا الْأَقْدَمِ الْأَعْظَمِ الْأَكْرَمِ النَّبِيِّ الْمُقَدَّمِ الَّذِي اجْتَبَاهُ اللهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَغَفَرَ لَهُ.

وَيَقُولُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ: وإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوقِ لَا يَجُوزُ، فَالْإِخْبَارُ عَنْ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأُصْبُعِ وَالْجَنْبِ وَالنُّزُولِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ.

وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَنْ وَصَفَ شَيْئًا مِنْ ذَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عُنُقِهِ، قُطِعَتْ يَدُهُ؛ وَكَذَلِكَ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، يُقْطَعُ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ اللهَ تَعَالَى بِنَفْسِهِ. اهـ.

رَابِعًا: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ».

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» مَرَّتَيْنِ.

قَالَ المُهَلَّبُ: قَوْلُهُ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» أَيْ: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ.

قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّمَا صَحَّتِ الْحُجَّةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لِآدَمَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِآدَمَ خَطِيئَتَهُ وَتَابَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِمُوسَى أَنْ يُعَيِّرَهُ بِخَطِيئَةٍ قَدْ غَفَرَهَا اللهُ تَعَالَى لَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي آتَاكَ اللهُ التَّوْرَاةَ، وَفِيهَا عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ، فَوَجَدْتَ فِيهَا أَنَّ اللهَ قَدْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْمَعْصِيَةَ، وَقَدَّرَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ مِنْهَا، وَأَسْقَطَ بِذَلِكَ اللَّوْمَ عَنِّي، أَفَتَلُومُنِي أَنْتَ وَاللهُ لَا يَلُومُنِي؟

وَبِمِثْلِ هَذَا احْتَجَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الَّذِي قَالَ لَهُ: إِنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ.

فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا عَلَى عُثْمَانَ ذَنْبٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ عَفَا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾.

خَامِسًا: يَقُولُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبٌ، وَلَيْسَ تَعْيِيرُهُ مِنْ بِرِّهِ، أَنْ لَوْ كَانَ مِمَّا يُعَيَّرُ بِهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وَلِهَذَا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ وَهُوَ كَافِرٌ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ فَكَيْفَ بِأَبٍ هُوَ نَبِيٌّ قَدِ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى؟ اهـ.

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ كَيْفَ عَصَى سَيِّدُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ.

وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْعَاصِي بَعْدَ تَوْبَتِهِ: عَاصٍ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ.

فَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا فِي حَقِّ أَبِي الْبَشَرِ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾؟

وَهَلْ هَذَا السُّؤَالُ مِنَ الْأَدَبِ فِي حَقِّ أَبِي الْبَشَرِ؟

لِذَا لَا نَذْكُرُ هَذَا الْمَوْضُوعَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ تِلَاوَتِنَا لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَوْ إِذَا ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ. هذا، والله تعالى أعلم.

389 مشاهدة
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  فتاوى متعلقة بالقرآن الكريم

 السؤال :
 2026-03-09
 82
قَالَ لِي رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ: إِنَّ أَتْبَاعَ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُمْ فَوْقَ البَشَرِ جَمِيعًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، بِدَلِيلٍ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. فَمَا صِحَّةُ هَذَا القَوْلِ، وَمَا تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؟
 السؤال :
 2025-05-01
 865
كَيْفَ نُوَفِّقُ بَيْنَ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. آيَةٌ تَقُولُ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾. وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُكَلِّمُهُمْ؟
 السؤال :
 2025-03-17
 939
مَا الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي خَتْمِ القُرْآنِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟
 السؤال :
 2023-02-25
 2551
هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ سُورَةَ الإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ؟
 السؤال :
 2023-02-25
 1369
مَا تَفْسِيرُ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؟
 السؤال :
 2023-02-06
 5856
مَا مَعْنَى قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؟

الفهرس الموضوعي

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5720
المقالات 3259
المكتبة الصوتية 4884
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 431993846
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2026 
برمجة وتطوير :