المحكم والمتشابه

8379 - المحكم والمتشابه

22-10-2017 260 مشاهدة
 السؤال :
ما تفسير قول الله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وما هو الفارق بين الآيات المحكمات والمتشابهات؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 8379
 2017-10-22

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: القُرْآنُ الكَرِيمُ وُصِفَ بِأَنَّهُ مُحْكَمٌ كُلُّهُ، قَالَ تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾. فَالقُرْآنُ مُحْكَمٌ وَمُتْقَنٌ في أَخْبَارِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَلَا تَعَارُضَ فِيهِ.

ثانياً: وُصِفَ بِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ، قَالَ تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابَاً مُتَشَابِهَاً﴾. فَهُوَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضَاً في كَمَالِهِ وَإِحْكَامِهِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ أَحْكَامِهِ، وَأَخْبَارِهِ، بَلْ كُلُّهُ يَشْهَدُ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضَاً، وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنَّ تِلَاوَةَ القُرْآنِ تَحْتَاجُ إلى تَدَبُّرٍ وَتَأَمُّلٍ، وَخَاصَّةً فِيمَا يَبْدُو للإِنْسَانِ فِيهَا تَعَارُضَاً، وَلِذَلِكَ قَالَ تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافَاً كَثِيرَاً﴾.

ثالثاً: وُصِفَ بِأَنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ وَبَعْضَهُ الآخَرَ مُتَشَابِهٌ، قَالَ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.

وَالمُحْكَمُ هُنَا هُوَ مَا كَانَ مَعْنَاهُ بَيِّنَاً ظَاهِرَاً، مِثْلُ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. إلى آخِرِ الآيَاتِ الوَاضِحَةِ الظَّاهِرَةِ التي يُكَلِّفُ اللهُ تعالى بِهَا الأُمَّةَ مِنْ فِعْلٍ أَو تَرْكٍ.

أَمَّا المُتَشَابِهُ فَهِيَ الآيَاتُ التي لَا يَسْتَطِيعُ العَقْلُ البَشَرِيُّ أَنْ يَرْتَقِيَ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهَا، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾. وَكَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وَكَقَوْلِهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وَكَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. إلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَاتِ الكَرِيمَاتِ.

وبناء على ذلك:

فَالآيَاتُ المُحْكَمَاتُ هُنَّ آيَاتُ التَّكْلِيفِ، وَالمَطْلُوبُ مِنَ المُؤْمِنِ تُجَاهَهَا الإِيمَانُ بِهَا ثُمَّ العَمَلُ بِمَضْمُونِهَا، أَمَّا الآيَاتُ المُتَشَابِهَاتُ فَالمَطْلُوبُ مِنَ المُؤْمِنِ الإِيمَانُ بِهَا وَالتَّسْلِيمُ فَقَطْ، وَأَنْ يَرُدَّهَا إلى الآيَاتِ المُحْكَمَاتِ، فَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ اللهِ تعالى وَأَسْمَائِهِ يُرْجِعُهَا إلى الآيَةِ المُحْكَمَةِ الوَاضِحَةِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ الذينَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. فَالمُحْكَمُ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَالمَطْلُوبُ مِنَّا العَمَلُ بِهِ، وَالمُتَشَابِهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَالمَطْلُوبُ مِنَّا الإِيمَانُ بِهِ، فَاللهُ تعالى لَمْ يُكَلِّفْنَا بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وَلَمْ يُكَلِّفْنَا بِمَعْرِفَةِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. وَلَمْ يُكَلِّفْنَا بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. بَلْ كَلَّفَنَا بِالإِيمَانِ بِهَذِهِ الآيَاتِ فَقَطْ.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾. هَؤُلَاءِ تَرَكُوا الآيَاتِ المُحْكَمَاتِ وَشَكَّكُوا الأُمَّةَ في الآيَاتِ المُتَشَابِهَاتِ، وَوَقَعَ البَعْضُ في شَرَكِهِمْ، وَنَـسِيَ أَنْ يَرُدَّ المُتَشَابِهَ إلى المُحْكَمِ إلى قَوْلِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. هذا، والله تعالى أعلم.

 

المجيب : الشيخ أحمد شريف النعسان
260 مشاهدة
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  فتاوى متعلقة بالقرآن الكريم

 السؤال :
 2023-02-25
 1036
هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ سُورَةَ الإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ؟
 السؤال :
 2023-02-25
 845
مَا تَفْسِيرُ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؟
 السؤال :
 2023-02-06
 823
مَا مَعْنَى قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؟
 السؤال :
 2023-01-30
 385
يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. وَيَقُولُ تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. فَبِأَيِّ الأَمْرَيْنِ تَمَّتْ نَجَاةُ سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ بَطْنِ الحُوتِ؟
 السؤال :
 2023-01-30
 439
مَا تَفْسِيرُ قَوْلِ اللهِ تَبَارَكَ وتعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾؟
 السؤال :
 2022-10-03
 446
في قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَمَا قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ قَالَ تعالى عَنْ قَابِيلَ القَاتِلِ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ النَّدَمَ تَوْبَةٌ، فَلِمَاذَا كُلَّمَا قَتَلَ إِنْسَانٌ آخَرَ ظُلْمًا يَتَحَمَّلُ قَابِيلُ وِزْرَهُ؟

الفهرس الموضوعي

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5613
المقالات 3148
المكتبة الصوتية 4720
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 411494071
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2024 
برمجة وتطوير :