حديث: لا عدوى

9438 - حديث: لا عدوى

29-01-2019 77 مشاهدة
 السؤال :
جاء في الحديث الصحيح: لا عدوى، والواقع العملي والملاحظ والمشاهد، بأن العدوى موجودة، وأثرها واضح، فكيف نوفق بين كلام الصادق المصدوق، وبين الواقع، الذي يخالف الحديث في الظاهر؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 9438
 2019-01-29

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: رَوَى الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ». وَالجُذَامُ: هُوَ عِلَّةٌ يَحْمَرُّ مِنْهَا العُضْوُ، ثُمَّ يَسْوَدُّ، ثُمَّ يَتَقَطَّعُ وَيَتَنَاثَرُ.

وروى الإمام مسلم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ». (أَيْ: مَرِيضٌ عَلَى صَحِيحٍ، أَو صَاحِبُ إِبِلٍ مَرِيضَةٍ عَلَى صَاحِبِ إِبِلٍ صَحِيحَةٍ).

الحَدِيثُ الأَوَّلُ قَالَ فِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا عَدْوَى» ثُمَّ قَالَ: «وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ».

وَالحَدِيثُ الثَّانِي قَالَ فِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ».

ثانياً: حَاشَا للهِ تعالى أَنْ يَكُونَ كَلَامُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِيهِ تَعَارُضٌ، وَكَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَتَعَارَضَ الوَاقِعُ مَعَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، لِأَنَّ كَلَامَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ، وَمَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ الشَّرِيفِ إِلَّا حَقٌّ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.

ثالثاً: يَقُولُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، وَهُمَا صَحِيحَانِ؛ قَالُوا: وَطَرِيقُ الجَمْعِ أَنَّ حَدِيثَ: «لَا عَدْوَى» الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ مَا كَانَتْ الجَاهِلِيَّةُ تَزْعُمُهُ وَتَعْتَقِدُهُ أَنَّ المَرَض وَالعَاهَة تَعَدَّى بِطَبْعِهَا لَا بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى.

وَأَمَّا حَدِيثُ: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» فَأُرْشِدَ فِيهِ إِلَى مُجَانَبَةِ مَا يَحْصُلُ الـضَّرَرُ عِنْدَهُ فِي العَادَةِ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى وَقَدْرِهِ.

فَنَفَى فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ العَدْوَى بِطَبْعِهَا، وَلَمْ يَنْفِ حُصُولَ الضَّرَرِ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى وَفِعْلِهِ، وَأَرْشَدَ فِي الثَّانِي إِلَى الاحْتِرَازِ مِمَّا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الضَّرَرُ بِفِعْلِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَدَرِهِ. اهـ.

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَعَقِيدَتُنَا أَنَّ الفَاعِلَ الحَقِيقِيَّ إِنَّمَا هُوَ اللهُ تعالى، وَالأَسْبَابُ خَادِمَةٌ لِقَدَرِ اللهِ تعالى، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ اعْتِقَادَاً جَازِمَاً بِأَنَّ المَرَضَ وَالعَاهَةَ لَا تُعْدِي بِطَبْعِهَا، إِلَّا إِذَا شَاءَ اللهُ تعالى، أَلَمْ يَقُلْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ».

فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟

قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَلَكِنْ عَلَيْنَا بِالأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، وَهُوَ الابْتِعَادُ عَمَّا في ظَاهِرِهِ قَدْ يُعْدِي، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» مِنْ حَيْثُ السَّبَبُ، وَالحَقِيقَةُ: لَا عَدْوَى، لِأَنَّهُ قَد يُؤَثِّرُ المَرَضُ وَالعَاهَةُ إِذَا شَاءَ اللهُ تعالى، وَإِذَا لَمْ يَشَأْ لَا تُؤَثِّرُ، فَالعَبْدُ يَأْخُذُ بِالأَسْبَابِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ تعالى، فَقَدْ يَبْتَعِدُ السَّلِيمُ عَنِ المَرِيضِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَمْرَضُ السَّلِيمُ، وَقَدْ يَقْتَرِبُ السَّلِيمُ مِنَ المَرِيضِ وَلَا يَأْذَنُ اللهُ تعالى بِالعَدْوَى، وَهَذَا أَمْرٌ مُلَاحَظٌ لَا مَجَالَ لِإِنْكَارِهِ.

فَإِذَاً هُنَاكَ حَقِيقَةٌ، وَهُنَاكَ سَبَبٌ، فَالحَقِيقَةُ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وَالسَّبَبُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبَاً * فَأَتْبَعَ سَبَبَاً﴾.

الحَقِيقَةُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وَالسَّبَبُ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

الحَقِيقَةُ لَا يُفَرِّجُ الكَرْبَ إِلَّا اللهُ تعالى وَالسَّبَبُ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُـعْسِرٍ، يَـسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمَاً، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

فَالمَرَضُ وَالعَاهَةُ لَيْسَتْ فِيهَا قُوَّةٌ ذَاتِيَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ في الغَيْرِ، وَلَكِنْ إِذَا شَاءَ اللهُ تعالى أَنْ تُؤَثِّرَ أَذِنَ في التَّأْثِيرِ ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾. هذا، والله تعالى أعلم.

 

المجيب : الشيخ أحمد شريف النعسان
77 مشاهدة
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  فتاوى متعلقة بالحديث الشريف

 السؤال :
 2019-04-18
 1038
ما صحة الحديث: الغني الشاكر أحب إلى الله تعالى من الفقير الصابر؟
 السؤال :
 2019-04-05
 1347
هل صحيح بأنه جاء في الحديث الشريف أن الصلاة على سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تنفع المصلي وولده وولد ولده؟
 السؤال :
 2019-04-03
 5125
ما صحة الحديث: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»؟ وكيف يستخدم ماؤها للعين؟
 السؤال :
 2019-03-18
 1372
روى الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى الجَنَّةِ، بِأَرْبَعِينَ خَرِيفَاً». وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ». فهل هذا يدفع الإنسان ليكون فقيراً، ويترك العمل ويرضى بالفقر؟
 السؤال :
 2019-02-15
 5767
ما هو المقصود بالصدقة الجارية التي أشار إليها سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بقوله: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»؟
 السؤال :
 2019-02-01
 1707
هل ورد في الحديث الشريف أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قال أن أكثر أهل الجنة البله، فإن كان حديثاً فما هو المقصود بالبله؟

الفهرس الموضوعي

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5003
المقالات 2270
المكتبة الصوتية 4000
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 385433948
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :