أهلا بكم في موقع الشيخ أحمد شريف النعسان

6752 - {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}

20-02-2015 3357 مشاهدة
 السؤال :
يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} فهل خلق الإنسان للاختلاف أم للرحمة؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 6752
 2015-02-20

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَقَولُهُ تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يَعنِي: لَو أَرَادَ اللهُ تعالى أن يَكُونَ النَّاسُ جَمَاعَةً وَاحِدَةً في دِينِهَا وتَقوَاهَا واتِّزَانِ عُقُولِهَا، بِحَيثُ لا يَقَعُ من أَحَدٍ كُفْرٌ ولا إِفسَادٌ لَكَانَ ذلكَ، وأَعطَاهُمُ الاختِيَارَ، وَوَضَّحَ لَهُمُ الطَّرِيقَ، وأَقَامَ عَلَيهِمُ الحُجَّةَ، وهذا كَقَولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

أمَّا قَولُهُ تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ فَإِنَّهُ يَعنِي: ولَكِنَّهُمُ اختَلَفُوا بِسُوءِ رَأْيِهِم، وباتِّبَاعِهِم للشَّهَوَاتِ، وبِإِضَاعَةِ فِطْرَتِهِمُ التي فَطَرَهُمُ اللهُ تعالى عَلَيهَا، وبِسَبَبِ عِنَادِهِم للحَقِّ بَعدَ مَعْرِفَتِهِ، فبالجُزْءِ الاختِيَارِيِّ الذي أَعطَاهُمُ اللهُ تعالى إِيَّاهُ، بَعْضُهُم سَلَكَ سَبِيلَ الهِدَايَةِ، والآخَرُ سَلَكَ سَبِيلَ الغِوَايَةِ باختِيَارِهِ، فَمِنهُم من جَعَلَ هَوَاهُ خِلافَاً لِمَا جَاءَ بِهِ الشَّرعُ الشَّرِيفُ، ومِنهُم من جَعَلَ هَوَاهُ مُنضَبِطَاً بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ الكِرَامُ.

أمَّا قَولُهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ فَإِنَّهُ يَعنِي: أنَّ اللهَ تعالى خَلَقَهُم للتَّكلِيفِ، وأَعَانَهُم على الالتِزَامِ بهذا التَّكلِيفِ بأنْ خَلَقَهُم على الفِطْرَةِ، وأَعطَاهُمُ العُقُولَ، وأَرسَلَ إِلَيهِمُ الرُسُلَ، ثمَّ أَعطَاهُمُ الاختِيَارَ، لِيَكُونُوا في رَحمَةِ اللهِ تعالى جَمِيعَاً، ولَكِنَّهُم أَفسَدُوا فِطْرَةَ اللهِ تعالى بِسَبَبِ سُوءِ اختِيَارِهِم، واتِّبَاعِهِم للشَّهَوَاتِ، فَحَرَمُوا أَنفُسَهُم من رَحمَةِ اللهِ تعالى.

وبناء على ذلك:

فاللهُ تعالى قَادِرٌ على أن يَجعَلَ النَّاسَ كالمَلائِكَةِ الكِرَامِ، لا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم، ويَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ، ولَكِنَّهُ شَاءَ تَبَارَكَ وتعالى أن يَخلُقَهُم للاختِبَارِ والابتِلاءِ، وأَعطَاهُمُ القُدرَةَ على الاختِيَارِ، وأَنزَلَ لَهُمُ الشَّرعَ لِهِدَايَتِهِم رَحمَةً مِنهُ تعالى، ولكن باختِيَارِهِمُ اختَلَفُوا، فَمِنهُم من آمَنَ فَكَانَ من أَهلِ الجَنَّةِ، ومِنهُم من كَفَرَ فَكَانَ من أَهلِ النَّارِ.

 

فَهَدَى اللهُ تعالى الجَمِيعَ هِدَايَةَ دِلالَةٍ، فَمن سَأَلَ اللهَ تعالى العَونَ على الالتِزَامِ بهذا الهَدْيِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى وَأَعَانَهُ، ومِنهُم من أَعرَضَ عن ذلكَ فَخَسِرَ الدُّنيَا والآخِرَةِ. هذا، والله تعالى أعلم.

المجيب : الشيخ أحمد شريف النعسان
3357 مشاهدة