الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ ظَهَرَ فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ بَعْضُ العُلَمَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ مَرْدُودٌ، لِأَنَّنَا لَوْ قُلْنَا إِنَّ الأَوْرَاقَ النَّقْدِيَّةَ هِيَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ التِّجَارِيَّةِ لَوَقَعْنَا فِي إِشْكَالَاتٍ عِدَّةٍ مِنْهَا:
أَوَّلًا: إِذَا قُلْنَا إِنَّ هَذِهِ الأَوْرَاقَ النَّقْدِيَّةَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ التِّجَارِيَّةِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَلَّا يَجْرِيَ الرِّبَا فِيهَا، فَيَجُوزَ بَيْعُ مِئَةِ لِيرَةٍ مَثَلًا بِمِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَهَذَا مَا أَظُنُّ عَالِمًا مِنَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِهِ الْآنَ.
ثَانِيًا: إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ هَذِهِ الأَوْرَاقَ النَّقْدِيَّةَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ التِّجَارِيَّةِ لَقُلْنَا بِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِيهَا إِذَا لَمْ تُعَدَّ لِلتِّجَارَةِ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ التِّجَارِيَّةِ وَلَمْ يَنْوِ الِاتِّجَارَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ مَهْمَا بَلَغَتْ، وَلَا أَظُنُّ بِأَنَّ عَالِمًا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ يَقُولُ هَذَا.
ثَالِثًا: إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الأَوْرَاقَ النَّقْدِيَّةَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ التِّجَارِيَّةِ لَمَا صَحَّ أَنْ تَكُونَ رَأْسَ مَالٍ لِلسَّلَمِ، الَّذِي يَتَعَامَلُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ.
رَابِعًا: إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الأَوْرَاقَ النَّقْدِيَّةَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ التِّجَارِيَّةِ، فَمَا هُوَ النَّقْدُ الَّذِي يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ الْيَوْمَ إِذًا؟
خَامِسًا: بِهَذَا الْقَوْلِ فَتَحْنَا أَبْوَابَ الرِّبَا عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، لِأَنَّ هَذِهِ الأَوْرَاقَ النَّقْدِيَّةَ لَيْسَتْ مِنَ الأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، فَهِيَ لَيْسَتْ مِنَ الْمَكِيلَاتِ وَلَا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ.
سَادِسًا: بِهَذَا الْقَوْلِ أَسْقَطْنَا الزَّكَاةَ عَنْهَا، فَلَوْ مَلَكَ الإِنْسَانُ مِلْيُونَ لِيرَةٍ، وَلَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ فِيهَا، وَأَبْقَاهَا عِنْدَهُ يَصْرِفُ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لَمَا وُجِبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهَا؛ وَهَلْ يَقُولُ هَذَا عَالِمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ؟
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
الأَوْرَاقُ النَّقْدِيَّةُ هِيَ نَقْدٌ، وَلَيْسَتْ عُرُوضًا تِجَارِيَّةً، وَيَجْرِي عَلَيْهَا مَا يَجْرِي عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي التَّعَامُلِ بِهَا. هذا، والله تعالى أعلم.