﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾

12365 - ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾

30-01-2023 1200 مشاهدة
 السؤال :
مَا تَفْسِيرُ قَوْلِ اللهِ تَبَارَكَ وتعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 12365
 2023-01-30

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وتعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾. أَيْ: أَنْشَأَكُمْ مِنَ العَدَمِ، وَجَعَلَ مِنَ الطِّينِ بَشَرًا مِنْ نُطْفَةٍ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾.

وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿ثُمَّ﴾ للتَّفَاوُتِ بَيْنَ المَوْتِ وَالحَيَاةِ، فَمِنْكُمْ مَنْ يَمُوتُ في صِبَاهُ، أَو في شَبَابِهِ، أَو في كُهُولَتِهِ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. أَيْ: يَرْجِعُ مَنْكُوسًا إلى ابْتِدَائِهِ، فَهُوَ في أَرْذَلِ الْعُمُرِ، يَسِيرُ في السِّنِّ إلى الأَمَامِ، وَلَكِنَّهُ في القُوَى يُرَدُّ إلى الوَرَاءِ، فَقُوَاهُ تَضْعُفُ، وَتَفْنَى بَعْضُ أَعْضَاءِ جِسْمِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

كَأَنَّ قُوَاهُ قَبْلَ الهَرَمِ كَانَتْ تَسِيرُ إلى الأَمَامِ حَتَّى تَقِفَ، فَرَدُّهُ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وَلَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو رَبَّهُ أَنْ لَا يُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ يَأْمُرُ بِهَؤُلَاءِ الخَمْسِ: وَيُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ».

لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، يُصْبِحُ قَلِيلَ الإِدْرَاكِ، قَلِيلَ القُوَى، ضَعِيفًا كَالطِّفْلِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، لَا يَفْقَهُ شَيْئًا، لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ، رُبَّمَا يُبْكِيهِ الشَّيْءُ القَلِيلُ كَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ أَمْرَهُ، وَيَكُونُ بِحَاجَةٍ إلى قِوَامَةٍ عَلَيْهِ في أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَمَا يَحْتَاجُهُ، لِذَلِكَ اسْتَعَاذَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ يُرَدَّ إلى أَرْذَل العُمُرِ.

فَطُولُ العُمُرِ بِغَيْرِ طَاعَةٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُسْنِ عَمَلٍ، مَذْمُومٌ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟

قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ».

قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟

قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ».

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَاللهُ تَبَارَكَ وتعالى مِنْهُ المُبْتَدَأُ، وَإِلَيْهِ المَرْجِعُ، وَحَيَاةُ العَبْدِ مَا بَيْنَهُمَا، فَمِنْ سُوءِ الأَدَبِ أَنْ يَتَمَرَّدَ العَبْدُ عَلَى اللهِ تعالى بَيْنَ المَبْدَأِ وَالمَرْجِعِ.

وَفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى طَلَاقَةِ قُدْرَةِ اللهِ تعالى في أَمْرِ المَوْتِ، فَالمَوْتُ لَيْسَ لَهُ قَاعِدَةٌ، فَقَدْ يَمُوتُ الجَنِينُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وَقَدْ يَمُوتُ وَهُوَ طِفْلٌ، وَقَدْ يَمُوتُ وَهُوَ شَابٌّ، وَقَدْ يَمُوتُ وَهُوَ شَيْخٌ، وَقَدْ يَعِيشُ عُمُرًا طَوِيلًا حَتَّى يُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، فَيَكُونُ كَالطِّفْلِ، لَا يَذْكُرُ شَيْئًا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.

وَمِنْ هُنَا يَعْلَمُ العَبْدُ أَنَّ المَوْتَ نِعْمَةٌ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ تعالى عَلَيْنَا، وَلِكَيْ يَتَأَكَّدَ العَبْدُ مِنْ ذَلِكَ، عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إلى مَنْ مَدَّ اللهُ تعالى في أَعْمَارِهِمْ حَتَّى رُدُّوا إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَوَصَلُوا إلى دَرَجَةِ الخَرَفِ، وَهَذَا هُوَ الذي اسْتَعَاذَ مِنْهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِدُعَائِهِ: «وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ». هذا، والله تعالى أعلم.

 

1200 مشاهدة
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  فتاوى متعلقة بالقرآن الكريم

 السؤال :
 2026-03-09
 82
قَالَ لِي رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ: إِنَّ أَتْبَاعَ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُمْ فَوْقَ البَشَرِ جَمِيعًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، بِدَلِيلٍ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. فَمَا صِحَّةُ هَذَا القَوْلِ، وَمَا تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؟
 السؤال :
 2025-12-17
 391
كَيْفَ عَصَى سَيِّدُنَا آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَبَّهُ، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي خُصُوصِيَّاتِهِ؟
 السؤال :
 2025-05-01
 866
كَيْفَ نُوَفِّقُ بَيْنَ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. آيَةٌ تَقُولُ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾. وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُكَلِّمُهُمْ؟
 السؤال :
 2025-03-17
 940
مَا الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي خَتْمِ القُرْآنِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟
 السؤال :
 2023-02-25
 2551
هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ سُورَةَ الإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ؟
 السؤال :
 2023-02-25
 1370
مَا تَفْسِيرُ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؟

الفهرس الموضوعي

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5720
المقالات 3259
المكتبة الصوتية 4884
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 431996830
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2026 
برمجة وتطوير :