الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ هَذَا أَوَّلًا.
ثَانِيًا: تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ طَامَّةٌ كُبْرَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَى إسْلَامِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، لِمَا ثَبَتَ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللهَ فِي ذِمَّتِهِ (أَيْ: فَلَا تَغْدِرُوا بِهِ وَتَنْقُضُوا عَهْدَهُ)» رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَيَجِبُ قَبْلَ تَكْفِيرِ أَيِّ مُسْلِمٍ النَّظَرُ وَالتَّفَحُّصُ فِيمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ؛ فَلَيْسَ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَاسِدٍ يُعْتَبَرُ مُكَفِّرًا.
كَمَا يَجِبُ قَبْلَ تَكْفِيرِ أَيِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِهِ، لَعَلَّهُ كَانَ مُكْرَهًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ اجْتِنَابُ هَذَا الْأَمْرِ وَالْفِرَارُ مِنْهُ لِخَطَرِهِ الْعَظِيمِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ».
ثَالِثًا: هَلِ السَّائِلُ سَمِعَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟
1ـ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ للهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ».
قَالَ: فَأَعْتَقَهُ.
2ـ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: بَعَثَتْ صَفِيَّةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ قَدْ صَنَعَتْهُ لَهُ وَهُوَ عِنْدِي، فَلَمَّا رَأَيْتُ الْجَارِيَةَ، أَخَذَتْنِي رِعْدَةٌ حَتَّى اسْتَقَلَّنِي ـ أَيْ :عَلَتْنِي ـ أَفْكَلُ ـ أي :رِعْدَةٌ ـ، فَضَرَبْتُ الْقَصْعَةَ، فَرَمَيْتُ بِهَا.
قَالَتْ: فَنَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ أَنْ يَلْعَنَنِي الْيَوْمَ.
قَالَتْ: قَالَ: «أَوْلَى».
قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا كَفَّارَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: «طَعَامٌ كَطَعَامِهَا، وَإِنَاءٌ كَإِنَائِهَا».
3ـ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» فَقُطِعَتْ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
فَلَا يَجُوزُ التَّعَجُّلُ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَنِ اسْتَعَاذَ بِمَخْلُوقٍ أَنَّهُ أَشْرَكَ، أَوْ كَفَرَ، أَوْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ، وَإِلَّا انْقَلَبَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى قَائِلِهِ.
لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِمَخْلُوقٍ مِنْ بَابِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ جَائِزٌ، مَعَ الاعْتِقَادِ التَّامِّ أَنَّ الضَّارَّ وَالنَّافِعَ إِنَّمَا هُوَ اللهُ تَعَالَى. هذا، والله تعالى أعلم.