أهلا بكم في موقع الشيخ أحمد شريف النعسان

8363 - مجاهدة النفس وتزكيتها

16-10-2017 1184 مشاهدة
 السؤال :
ما هو السبيل لمجاهدة النفس وتزكيتها؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 8363
 2017-10-16

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ وَالعُلَمَاءُ وَالمُرْشِدُونَ وَالحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ طَرِيقَ السَّعَادَةِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيِ النَّفْسِ عَنِ الهَوَى، وَمُخَالَفَةِ الشَّهَوَاتِ.

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تعالى مُخَالَفَةَ النَّفْسِ وَمُجَاهَدَتَهَا بِتَرْكِ هَوَاهَا سَبَبَاً لِدُخُولِ الجَنَّةِ، قَالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى﴾.

فَمُخَالَفَةُ النَّفْسِ رَأْسُ العِبَادَةِ، وَأَعْظَمُ الجِهَادِ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإمام أحمد والحاكم عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ».

وَرَحِمَ اللهُ تعالى مَنْ قَالَ:

وَالنَّفْسُ كَـالـطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى   ***   حُـبِّ الـرَّضَـاعِ وَإِنْ تَـفْـطِمْهُ يَنْفَـطِمِ

ورَاعِـهَـا وَهِـيَ في الأَعْـمَـالِ سَـائِمَةٌ   ***   وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فَـلَا تُـــسِمِ

كَمْ حَـسَّـنَـتْ لَـذَّةً لِلْـمَـرْءِ قَـاتِــــلَةً   ***   مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ في الـدَّسَمِ

وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِـهِـمَا   ***   وَإِنْ هُمَا مَحَّضَاكَ النُّصْحَ فَـــــــــاتَّهِمِ

وَيَقُولُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في وَصِيَّةٍ لِعُمَرَ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا أُحَذِّرُكَ نَفْسَكَ التي بَيْنَ جَنْبَيْكَ. /كذا في جامع العلوم والحكم.

وَيَقُولُ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الحِسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا. رواه الترمذي.

وبناء على ذلك:

فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ وَمُخَالَفَةَ هَوَاهَا مَطْلُوبٌ شَرْعَاً مِنَ المُسْلِمِ الذي يُرِيدُ جَنَّةَ المَأْوَى، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِعَدَمِ الاسْتِرْسَالِ مَعَهَا، وَإِلْزَامِهَا الأَخْلَاقَ المَرْضِيَّةَ، وَكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ تعالى، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإمام مسلم عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ.

فَقَالَ لِي: «سَلْ».

فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ.

قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ».

قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ.

قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».

وَمَنْ أَرَادَ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ بِصُحْبَةِ وُرَّاثِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، الذينَ وَرِثُوا عَنْهُ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ، لِأَنَّ مِنْ مُهِمَّةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ، قَالَ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولَاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

وَبِقَبْضِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَالْتِحَاقِهِ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى تَرَكَ وُرَّاثَاً وَرِثُوا العِلْمَ وَالتَّزْكِيَةَ، فَالسَّعِيدُ المُوَفَّقُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللهُ تعالى بِصُحْبَةِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الوُرَّاثِ حَتَّى يُزَكِّيَ نَفْسَهُ.

اللَّهُمَّ دُلَّنَا عَلَى مَنْ يَدُلُّنَا عَلَيْكَ، وَقَرِّبْنَا مِنَ الذي يُقَرِّبُنَا إِلَيْكَ، وَلَا تَحْجُبْ عَنَّا أَحْبَابَكَ بِشُؤْمِ ذُنُوبِنَا. آمين. هذا، والله تعالى أعلم.

 

المجيب : الشيخ أحمد شريف النعسان
1184 مشاهدة