الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَمَحَبَّةُ أَصْحَابِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى العَبْدِ المُؤْمِنِ؛ لِأَنَّ هَذَا الحُبَّ هُوَ عُنْوَانُ مَحَبَّتِهِ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمَحَبَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَهُ.
رَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ، وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» أَيْ: فَبِسَبَبِ حُبِّي لَهُ أَحَبَّهُمْ، أَوْ بِسَبَبِ حُبِّي إِيَّاهُمْ، وَحَبِيبُ الحَبِيبِ حَبِيبٌ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ.
فَمَنْ أَحَبَّ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ فَهُوَ عُنْوَانُ مَحَبَّتِهِ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَعُنْوَانُ مَحَبَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ؛ هَذَا أَوَّلًا.
ثَانِيًا: أَمَّا الفَوَائِدُ مِنْ قِصَّةِ سَيِّدِنَا كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَمَا تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا:
الفَائِدَةُ الأُولَى:
أَنْ نَعْلَمَ عُلُوَّ مَنْزِلَةِ سَيِّدِنَا كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَعِنْدَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ عَظِيمُ الصِّدْقِ فِي إِسْلَامِهِ وَإِيمَانِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ العَقَبَةِ الَّذِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ جَمِيعِ الغَزَوَاتِ الَّتِي غَزَاهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَا عَدَا غَزْوَةَ بَدْرٍ وَغَزْوَةَ تَبُوكَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى وَفِي صَاحِبَيْهِ قُرْآنًا يُتْلَى إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، حَيْثُ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ هَذَا الحُزْنُ مِنْ كَمَالِ الإِيمَانِ، كَمَا وَصَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.
كَيْفَ كَانَ لُجُوؤُهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَخُرُوجُهُمْ عَنْ حَوْلِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ إِلَى حَوْلِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ؟ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ وَالأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ وَمَا تَابَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِصِدْقِهِمْ وَحُسْنِ تَوْبَتِهِمْ وَحُسْنِ ظَنِّهِمْ بِاللهِ تَعَالَى.
وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَنَا، وَعَلَّمَ مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَنَّ العَبْدَ لَا يَنْجِيهِ مِنَ الهَمِّ وَالكَرْبِ وَالشِّدَّةِ إِلَّا الصِّدْقُ، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ. رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِهِ بِعِلْمِ اللهِ تَعَالَى بِأَحْوَالِ العِبَادِ وَإِحَاطَةِ سَمْعِهِ لِمَا يَقُولُونَ، فَقَالَ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لَا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ.
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ تَكُونُ طَاعَةُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمُ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ.
لَقَدْ أَمَرَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ أَلَّا يُكَلِّمُوهُ تَزْكِيَةً لِنَفْسِهِ وَتَرْبِيَةً لَهُ، فَمَا كَلَّمَهُ أَحَدٌ حَتَّى مَنْ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ.
هَذَا ابْنُ عَمِّهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
إِنَّهَا تَرْبِيَةٌ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ.
حَتَّى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا أَنْ يَعْتَزِلُوا نِسَاءَهُمْ، فَأَمَرَ كَعْبٌ أَهْلَهُ أَنْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا.
وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَبْكُونَ لَا يَرْقَأُ لَهُمْ دَمْعٌ لِوُقُوعِهِمْ فِي مُخَالَفَةِ الأَمْرِ، مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ.
وَنَحْنُ تَرَانَا نَعْصِيْ لَيْلًا وَنَهَارًا، هَلْ أَبْكَتِ الوَاحِدَ مِنَّا سَاعَةً؟ لَا أَقُولُ خَمْسِينَ لَيْلَةً.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:
أَنْ نَعْلَمَ حِرْصَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ عَلَى إِضْلَالِ المُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ فَهُمْ يَصْطَادُونَ فِي المَاءِ العَكِرِ، وَيُرَاقِبُونَ المُسْلِمِينَ وَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، فَكَيْفَ لَوْ كَانَ المُسْلِمُونَ فِي دِيَارِ الكَافِرِينَ؟ فَمُرَاقَبَتُهُمْ أَشَدُّ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى إِضْلَالِهِمْ مِنْ بَابٍ أَوْلَى وَأَوْلَى، وَصَدَقَ اللهُ تَعَالَى القَائِلُ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.
كَتَبَ مَلِكُ غَسَّانَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ.
فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قَرَأَ ذَاكَ الكِتَابَ: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلَاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا.
لَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ الكِتَابُ فِي أَشَدِّ الظُّرُوفِ وَأَقْسَاهَا، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ حَرَقَهُ مُبَاشَرَةً حَتَّى لَا تُسَوِّلَ لَهُ نَفْسُهُ أَنْ يَقْرَأَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَالنَّفْسُ فَيُغْرِيَانِهِ.
وَأَمَّا بَعْضُ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ، تَرَاهُ إِذَا وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَحْتَفِظُ بِهَا صَوْتًا أَوْ صُورَةً، وَكُلُّ هَذَا مِنْ خَطَوَاتِ الشَّيْطَانِ.
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:
أَنْ نَتَعَلَّمَ إِذَا أَصَابَنَا فَرَحٌ وَسُرُورٌ بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا، أَنْ نُقَابِلَ هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ للهِ تَعَالَى، وَمِنَ الشُّكْرِ سَجْدَةُ الشُّكْرِ.
فَهَذَا سَيِّدُنَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَخِرُّ سَاجِدًا للهِ تَعَالَى حِينَ وَصَلَتْهُ البِشَارَةُ بِتَوْبَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ.
وَهَلْ هُنَاكَ نِعْمَةٌ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ التَّوْبَةِ مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ وَكَيْفَ لَا تَكُونُ التَّوْبَةُ نِعْمَةً وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؟
مَنْ عَلِمَ شُؤْمَ المَعْصِيَةِ، عَرَفَ قَدْرَ نِعْمَةِ التَّوْبَةِ؛ مِنْ هَذَا المَنْطَلَقِ قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبٍ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ.
الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:
أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُ لِفَرَحِ أَخِيهِ، وَخَاصَّةً إِذَا تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ تَسَارَعُوا إِلَى إِخْبَارِ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ بِتَوْبَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَكِبَ جَوَادَهُ وَأَسْرَعَ لِيُخْبِرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَادَاهُ مِنْ سَطْحِ المَسْجِدِ بِأَعْلَى صَوْتٍ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ.
وَعِنْدَمَا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ المَسْجِدَ، قَامَ الصَّحَابَةُ أَفْوَاجًا يُهَنِّئُونَهُ، حَتَّى إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ لَمَّا رَأَى كَعْبًا هَرْوَلَ إِلَيْهِ.
وَتُوِّجَ هَذَا المَوْقِفُ مِنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ ظَهَرَ السُّرُورُ عَلَى وَجْهِهِ الشَّرِيفِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَنَارَ وَجْهُهُ المُنِيرُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ».
قَالَ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟
قَالَ: «لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ» رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ.
قَالَ لَهُ هَذَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ فَرَحُهُ أَعْظَمَ وَأَشَدَّ وَأَكْبَرَ، وَهَذَا مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الرَّاقِيَةِ.
نَعَمْ، طَاعَةُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هِيَ عَيْنُ طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَأْتِي البِشَارَةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى تَكُونُ أَعْظَمَ.
الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:
أَنْ نَتَعَلَّمَ أَنَّ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ مُحْنَةٍ وَمُصِيبَةٍ وَنَازِلَةٍ خَيْرًا عَظِيمًا لِلْمُؤْمِنِ، وَأَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْمَحَنِ صِفْرَ الْيَدَيْنِ، بَلْ هِيَ تَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَرَفْعٌ فِي الدَّرَجَاتِ.
كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ دَرْسًا لَا يَنْسَاهُ، أَنْ لَا يُبَرِّرَ لِنَفْسِهِ خَطَايَاهُ، فَضْلًا عَنِ الْإِصْرَارِ، بَلْ عَلَيْهِ بِالصِّدْقِ مَهْمَا كَلَّفَهُ الثَّمَنُ.
لِذَا يَقُولُ سَيِّدُنَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: إِنَّ اللهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ.
ثُمَّ تَضَرَّعَ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فِيمَا بَقِيتُ. رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ.
وَفِي الْخِتَامِ أَقُولُ: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُجِلَّ وَنَحْتَرِمَ أَصْحَابَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا، وَأَنْ نَلْتَزِمَ الْأَدَبَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ مَحَبَّتِنَا لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
وَأَنْ نَكُونَ حَرِيصِينَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ اللهِ تَعَالَى وَطَاعَةَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هِيَ سِرُّ سَعَادَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَنْ نَكُونَ حَرِيصِينَ كُلَّ الْحِرْصِ مِنْ أَعْدَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَنْ يَرْضَوْا عَنَّا حَتَّى نَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ.
ثَبَّتَنَا اللهُ تَعَالَى بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، وََنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ نَكُونَ عَوْنًا لِبَعْضِنَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ نَفْرَحَ لِلتَّائِبِ إِذَا تَابَ كَمَا نَفْرَحُ لِأَنْفُسِنَا، وَأَنْ نَلْتَزِمَ الصِّدْقَ وَالصَّادِقِينَ، وَأَنْ نَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى نُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ؛ اللَّهُمَّ أَكْرِمْنَا بِذَلِكَ. هذا، والله تعالى أعلم.