الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أَوَّلًا: يَجِبُ تَدَبُّرُ وَفَهْمُ المُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾. مَنْ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟
هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ فِيمَا جَاءَ مِنَ الحَقِّ؛ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَلَيْسَ ابْنًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، وَلَيْسَ إِلَهًا، لِأَنَّهُ مَنْ قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِشَهَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهُ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ لَا أَهْلُ الكُفْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ بِمَا أَخْبَرَ، وَبِمَا قَالَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
فَمَنْ آمَنَ بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ بَشَرٌ مِنَ البَشَرِ وُلِدَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ بَشَّرَ بَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، هُوَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يَعْنِي: جَعَلَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَالُوا فِيهِ مَا قَالُوا؛ وَهَذِهِ الفَوْقِيَّةُ فَوْقِيَّةُ الحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ.
ثَانِيًا: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هُوَ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ كَافَّةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالمُرْسَلِينَ جَمِيعًا عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَعَلَى حَضْرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَسْلِيمِ، قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ إِنْ بُعِثَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ جَمِيعًا، وَأَخَذَ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ عَلَى قَوْمِهِمُ المِيثَاقَ بِذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وَآخِرُ مَنْ بَشَّرَ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هُوَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
ثَالِثًا: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ، وَبُلُوغِ دَعْوَتِهِ إِلَيْهِ مَحْرُومٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
فَإِذَا كَانَ هَذَا النَّصْرَانِيُّ مِمَّنْ آمَنَ بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَدَّقَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. لَا يَسْأَلُ هَذَا السُّؤَالَ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقُولُ فِي سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى اليَوْمَ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَالَّذِي آمَنَ بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَقَّ الإِيمَانِ وَدَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بِعْثَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ، فَهُوَ فَوْقَ هَذَا النَّصْرَانِيِّ وَأَمْثَالِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. هذا، والله تعالى أعلم.